منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أُعيد تشكيل العالم تحت راية المنتصرين. أنشئ مجلس الأمن ليكون "حارس السلام العالمي"، لكن هذا الحارس لم يُولد محايدًا. فقد وُضع في يده سلاح خطير اسمه حق النقض (الفيتو)، وهو الامتياز الذي منح للدول الخمس الكبرى (أمريكا، روسيا، الصين، بريطانيا، فرنسا) لتمكينها من تعطيل أي قرار دولي، حتى لو اتفق عليه العالم كله.
هذا الامتياز، الذي بدا حينها وسيلة لضمان الاستقرار وتجنب صراع جديد بين الكبار، تحوّل مع مرور العقود إلى أداة للهيمنة والابتزاز. والفيتو الأخير الذي استخدمته الولايات المتحدة لوقف قرار دولي بوقف إطلاق النار في غزة، كشف هذه الحقيقة بشكل فج: القانون الدولي لا يتجاوز مصالح واشنطن، ومجلس الأمن ما هو إلا واجهة لشرعنة الظلم عندما يخدم القوى الكبرى.
الفيتو عبر التاريخ… سجل من التناقضات
الولايات المتحدة استخدمت الفيتو عشرات المرات لحماية إسرائيل، بينما تُشهر سيف الشرعية الدولية ضد خصومها. روسيا والصين بدورهما عطّلتا قرارات عديدة تمس مصالحهما في سوريا أو أوكرانيا. هكذا صار الفيتو مرآة لميزان القوى لا لميزان العدالة.
كل مرة يُستخدم فيها الفيتو، يتكرّس الانقسام: عدالة للأقوياء وظلم للضعفاء. فيتساءل المراقبون: أي معنى يبقى للقانون الدولي إذا كان مصيره رهينة توقيع مندوب دولة واحدة؟
الفيتو الأخير، وسقوط الأقنعة
في المشهد الأخير، وقف العالم كله تقريبًا مع قرار إنساني بوقف الحرب، لكن أمريكا قالت لا. قالتها ببساطة، فأفشلت قرارًا أمميًا يُفترض أنه يعكس إرادة الشعوب. هذه اللحظة لم تكن مجرد تعطيل لإجراء سياسي، بل كانت فضيحة أخلاقية عرّت ازدواجية المعايير.
إنها رسالة واضحة: "أمن إسرائيل فوق إنسانية العالم". وهذه الرسالة لا تضر بفلسطين وحدها، بل تضرب مصداقية النظام الدولي كله، وتفتح الباب واسعًا أمام قوى جديدة لتقول: إذا كانت أمريكا تفصّل العدالة على مقاسها، فلماذا نلتزم نحن بقوانينها؟
إسرائيل وحلم من النيل إلى الفرات
في قلب هذا المشهد، يبرز المشروع الإسرائيلي القديم-الجديد: إسرائيل الكبرى، الممتدة من النيل إلى الفرات. قد يراه البعض مجرد شعار أيديولوجي، لكنه في الواقع مشروع متدرّج يتحقق بخطوات محسوبة:
1. التمدد العسكري عبر احتلال الأراضي وبناء المستوطنات.
2. الاختراق الاقتصادي والسياسي عبر اتفاقيات التطبيع وتطويع بعض الأنظمة العربية.
3. التحالف الاستراتيجي مع أمريكا التي توفر لها الغطاء العسكري والدبلوماسي.
الفيتو الأخير هو جزء من هذا المشروع: حماية لإسرائيل كي تستمر في تمددها دون رادع.
الإمارات والهند… أين تقف المنطقة؟
وفي لحظة كان يُفترض أن تصطف الأمة لمواجهة التحديات، أعلنت الإمارات عن اتفاقية دفاع مع الهند، وهي دولة تنتمي إلى المعسكر الغربي بقيادة واشنطن. هذه الخطوة لم تأتِ من فراغ: إنها إشارة على أن بعض القوى الإقليمية تفضّل الارتماء في أحضان الغرب على حساب مصالح الأمة.
لكنها أيضًا تكشف معضلة أكبر: الانقسام داخل المنطقة الإسلامية نفسها. فمن يواجه المشروع الإسرائيلي؟ ومن يطبع معه؟ ومن يختار الانحياز الكامل للغرب؟
النظام العالمي الجديد… بداية النهاية للهيمنة الأمريكية
رغم هذا المشهد القاتم، هناك حقائق جديدة تتشكل:
الصين تنافس أمريكا اقتصاديًا وتكنولوجيًا، وتبني تحالفات بديلة.
روسيا تعيد رسم خرائط النفوذ بالقوة العسكرية.
قوى إسلامية صاعدة، من تركيا إلى باكستان، تبحث عن موضع قدم في التوازنات الجديدة.
هذا يعني أن الفيتو الأخير ليس فقط فضيحة أخلاقية، بل هو أيضًا جرس إنذار: بأن العالم لن يبقى رهينة أمريكا إلى الأبد. النظام أحادي القطبية يترنّح، والعالم يتجه نحو تعددية حقيقية.
رسالة إلى الأمة
إن اللحظة الراهنة لا تسمح بالحياد:
إما أن نكون أمة قادرة على تشكيل تحالفات استراتيجية مستقلة، تحمي مصالحها ومقدساتها.
أو نبقى أمة ممزقة، تكتفي بالمشاهدة بينما الآخرون يرسمون خريطتنا من جديد.
الفيتو الأمريكي لم يكن مجرد تصويت؛ كان إعلانًا بأن دماء أطفال غزة أقل قيمة عند مجلس الأمن من أمن إسرائيل. وإذا لم تنهض الأمة أمام هذا التحدي، فإن التاريخ سيكتب أنها كانت شاهدة على ظلم القرن وساكتة عنه.
الفيتو اليوم ليس مجرد بند في ميثاق الأمم المتحدة، بل هو رمز لميزان قوى مختل. وكلما استُخدم ضد الشعوب المستضعفة، اقترب يوم سقوطه. أما إسرائيل التي تحلم بحدود من النيل إلى الفرات، فلتتذكر أن المشاريع الاستعمارية دائمًا ما تنهض ثم تسقط، وأن التاريخ لا ينسى مَنْ بنى مجده على الدماء.
لقد بدأ العالم يتغير، وهذه أمتنا أمام امتحان: إما أن تدخل العصر الجديد كقوة فاعلة، أو تُترك خلف الركب، وحينها سيطولها ما طال غزة، ولات ساعة مندم.
Comments