لا يبني محتالو الوعي ممالكهم من فراغ، بل يتقنون اتخاذ "قشرة الحقيقة" جسراً لتمرير منظومة من التزييف وكسب الأتباع. هذا الأسلوب هو عينه الذي اتبعه الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي لإرساء دعوته وتثبيت أركان ما سمي بـ "نظام الطيبات" [1].
إذ أقام بنيانه على قاعدتين تلامسان وتراً حساساً لدى الجماهير: الأولى هي وجود مصالح رأسمالية لبعض شركات الأدوية العالمية (وهي ثغرة واقعية استغلها بذكاء)، والثانية هي رفع شعار "نظام مستمد من القرآن" لصبغ أطروحته بصبغة القداسة والشرعية الدينية [1].
وهنا يقع العوام في الفخ؛ إذ يمنح هذا المزيج الماكر دعوته بريقاً يوحي بالنزاهة، وهو جوهر الدجل القائم تاريخياً على خلط الحق بالباطل لتمرير الوهم.
التناقض السلوكي وسقوط الأهلية الأخلاقية
تتجلى المفارقة الصادمة في سلوك الرجل وشخصيته؛ إذ كيف يستقيم لمن يدعي أن نظامه مستمد من كتاب الله، أن يقع في سقطات لسانية حادة تصل إلى حد التطاول اللفظي في مقاطعه المرئية، والاستدلال بآيات الله في موضع آخر؟ وكيف يتجرأ على لوي عنق النصوص الطبية والدينية بكل استعلاء وتكبّر على زملائه من الأطباء والعلماء والتشكيك في الذمم دون بينة؟
والغرابة تكمن في قدرته على التلاعب النفسي بالناس، وانقياد الأتباع خلفه رغم هذه التناقضات الصارخة.
وحتى لا يتعلل متعلل برحيله؛ فإن الموت لم يكن يوماً مانعاً من انتشار الأفكار المسمومة؛ إذ لا تزال فيديوهاته تملأ الفضاء الرقمي، لتظل أطروحته قائمة، ويظل التنبيه من دجله واجباً مستمراً لحماية الوعي العام وصحة المجتمع الكلية.
عوار "نظام الطيبات" وتناقضاته الصارخة
إن التدقيق في تفاصيل "نظام الطيبات" يكشف عن تهافت علمي يعج بتناقضات غريبة تحرّم ما أحل الله بلا دليل، وتناقض نفسها في المادة الواحدة:
المفارقة النباتية: يمنع الشاي الأحمر ويسمح بالأخضر، وهما مستخرجان من ذات النبتة (Camellia sinensis) [2]! ويمنع الجزر ويسمح بالبطاطا الحلوة وهما من المجموعات الجذرية الغنية بالنشويات المغذية.
مفارقة المشتقات: يمنع الحليب منعاً باتاً، في حين تجده يسمح بـ "النوتيلا" وبعض الشوكولاتة التجارية التي يدخل الحليب في أساس تصنيعها كعنصر رئيسي! كما يمنع الحليب ويسمح بالجبن والزبدة المستخرجة منه أصلاً.
منع الشيء وإباحة رديفه: يمنع الدجاج ويسمح بالحمام والبط! ويمنع المخبوزات ثم ينصح بالتوست الأبيض وهو لبّ المخبوزات المصنوعة من الدقيق الأبيض المكرر الخالي من القيمة الغذائية العالية! ويمنع أكل المانجو ثمرةً ويسمح بها عصيرًا!
أكذوبة منع الألياف: يدعي منع أكل الألياف بحجة أنها تدمر الجهاز الهضمي، بينما نصف مكونات نظامه المسموحة (كالبطاطا والملوخية والقمح المقشور) غنية بالألياف الطبيعية والضرورية طبياً لسلامة القولون [3].
السلوك الشخصي: كان يدخن بشراهة ويدافع عن التدخين علناً في فيديوهاته، ثم يزعم الحرص على الصحة ويفترض في نظامه القدرة على "تطهير الجسم من السموم"!
الفضيحة العلمية: الجهل بألفبائيات الفسيولوجيا
لقد تكشّفت العورة العلمية لهذا الرجل في لقاءاته المرئية، ولعل أبرزها محاولته تشخيص مرض السكري وتضليل المشاهدين حول فكرة السكر التراكمي (HbA1c).
فقد زعم واهماً أن دخول الجلوكوز إلى خلايا الدم الحمراء بدون إنسولين دليل على عدم حاجة الجسم للإنسولين مطلقاً، ودعا لوقف العلاج به [1]!
وهذا التضليل يكشف جهلاً فاضحاً بألفبائيات الفسيولوجيا الحيوية؛ فالجسم البشري يحتوي على عائلة من ناقلات الجلوكوز تُعرف علمياً بـ (Glucose Transporters) واختصارها GLUTI) [4].
والإنسولين مطلوب ومستهدف أساساً لفتح خلايا العضلات والدهون عبر الناقل GLUTI [4]، بينما خلايا الدم الحمراء وخلايا المخ تستقبل الجلوكوز بسلاسة وحرية عبر الناقل GLUT1 المستقل تماماً عن الإنسولين لضمان بقاء الأعضاء الحيوية على قيد الحياة تحت أي ظرف [4].
خلط هذه البديهية الطبية وتوظيفها لإقناع المرضى بترك الإنسولين يمثل كارثة علمية وجريمة موصوفة.
هذا الجهل الفاضح يفسر الإجراء الحازم الذي اتخذته جامعة عين شمس العريقة (التي كان ينتمي إليها كأستاذ مساعد للتخدير والرعاية المركزة، لا كطبيب باطنية أو غدد صماء أو تغذية)، حيث أعلنت رسمياً إحالته للتحقيق ثم فصله بناءً على الشكاوى المرفوعة ضده وضد أفكاره الشاذة التي تبث عبر الفضاء الرقمي وتضرب بالبنية الأكاديمية والطبية عرض الحائط [5].
النهاية المأساوية: الضحية والجلاد
لم يتوقف الأمر عند حدود الهراء الفكري، بل تحول إلى كارثة بشرية.
لقد طالب الرجل علناً بوقف العلاج بالإنسولين لمرضى السكري (خاصة النوع الأول المعتمد تماماً على الإنسولين)، وأوقف الكورتيزون عن مرضى يعتمدون عليه حيوياً، مما أدى بحسب تحذيرات نقابة الأطباء والبلاغات الرسمية إلى انتكاسات قاتلة لبعض الحالات ودخولهم في حالة "الحماض الكيتوني السكري" (DKA) الحاد [5، 6].
لكن المأساة الأكبر هي أن العوضي نفسه تحول إلى ضحية لخرافته.
لقد كان شحوب وجهه، ونحافته الشديدة، وفقده الحاد لكتلته العضلية، دليلاً صارخاً على سوء التغذية الحاد نتيجة نظامه الذي يحرم الجسم من الفيتامينات والمعادن والأحماض الأمينية الأساسية. ومع التدخين الشره واضطراب المؤشرات الحيوية، كانت النهاية حتمية وطبيعية: جلطة قلبية حادة أودت بحياته في عام 2024 [1، 7].
إن ثمن علاج القولون أو التخلص من الانتفاخ لا يمكن أن يكون التضحية بالمواد الحيوية التي يحتاجها الجسد ليعيش.
لقد انقاد الرجل خلف أوهامه ليموت ضحية للمنظومة التي صنعها بنفسه وروج لها وسط مريديه.
بين الجريمة والاعتلال النفسي
إن التشخيص الدقيق لحالة هذا الطبيب قد يخرجه من مربع "المحتال الذكي" ليدخله في مربع "التيقن الذهاني" (Delusional Certainty)، وهي حالة نفسية مرجعية يصدق فيها العقل الوهم كحقيقة مطلقة لا تقبل النقاش ويستبسل في الدفاع عنها، على عكس المحتال التقليدي الذي يعلم في قرارة نفسه أنه يكذب ويستهدف تضليل الجهلة.
إن قصة هذا الطبيب ونهايته مأساة حقيقية وعبرة كبرى؛ مأساة لا تحدث إلا في بيئات تنحي العلم الممنهج المبني على الأدلة جانباً، وتبحث عن "مخلصين وهميين" يصنعون لها معجزات زائفة. فكم من ضحية يجب أن تسقط لنفيق من غيبوبة الجهل ونعيد للطب الحقيقي اعتباره وسلطته العلمية والأخلاقية؟
Comments