كلما يقترب قطار العمر من الوصول إلى محطته الأخيرة، بدأت الدوافع للتفتيش عن أحمال السفر وأغراض الوصول، وغلب على النفس الترقب للوصول والتأهب للحياة الجديدة حيث المستقر والمستودع، لكنك لكي تصل وجهتك لابد من معرفة طريقك ومعالمه وسننه، حتى لا تتوه عن غاية الوصول لهدفك المأمول.
وهنا أقف متأملا حديث الحبيب صلى الله عليه وسلم: وَاللَّهِ مَا الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ هَذِهِ فِي الْيَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ . (صحيح مسلم).
وأجد نفسي وقد كساني الشيب سائلا المولى عز وجل أن يصدق في حديث الحبيب صلى الله عليه وسلم الذي رواه أحمد وأبو داود والترمذي والبيهقي عن عمرو بن عنبسة مرفوعا وهو حسن بلفظ: "من شاب شبية في الإسلام كانت له نوراً يوم القيامة" .
في حينها لابد من أوصيك يا فلذة كبدي وصية محب، وأنبهك أنك لست وحدك ولدي وإن حملت أسمي، وتشابهت في رسمي، فكل إخوانك وجيلك تشملهم وصيتي.
كيف لا وقد صقلتكم المحن، وتباعدت بكم الأسفار، وتمالأت عليكم كلاب الأرض، علها تنهشكم أو تخيفكم أو تقلق مضاجعكم.
فأنتم قدر الله النافذ، وبصيرتنا للتغيير المنشود، وذخيرتنا التي لو نفذت هباء، ما استطعنا أن نحمي ديننا وعرضنا.
فلا تفقدوا الأمل وأنتم في جنابه ولاتأمنون الفتنة حتى في كنف عالم وحضرة زاهد وبهرج ذي مكانة.
ولهذا سأوصيك وصية المحب المشفق، لعل وصيتي تختصر عليك الطريق وترشدك في ليل الظلم الحالك، فإن الفجر قريب وأراه ينبثق من تحت خطاكم.
غايتنا ومنتهانا رضا الله
اعلم يا ولدي أن طلب رضا الله هو غايتنا ومنتهى طريقنا في هذه الحياة الدنيا، فلا تجعل همك رضا غيره، وكل ما فيه رضا الله فهو زادك في الطريق، وكنزك عند الله الذي لا ينفذ، ومعية الله التي تحيط بك، فتتلقفك أكفها في المهالك لتصل بك إلى بر مغفرته، وعظيم حفظه، وسحائب رحمته.
وفي هذا عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قَالَ: إِنَّ الْعَبْدَ يَلْتَمِسُ مَرْضَاةَ اللَّهِ عز وجل فَلا يَزَالُ كَذَلِكَ، فَيَقُولُ اللَّهُ: " يَا جِبْرِيلُ، إِنَّ عَبْدِي فُلانًا يَلْتَمِسُ أَنْ يُرْضِيَنِي، فَرِضَائِي عَلَيْهِ "، قَالَ: فَيَقُولُ جِبْرِيلُ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى فُلانٍ، وَتَقُولُ حَمَلَةُ الْعَرْشِ، وَيَقُولُ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، حَتَّى يَقُولَهُ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ، ثُمَّ يَهْبِطُ إِلَى الأَرْضِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - (المعجم الأوسط للطبراني بسند صحيح).
فرضا الله عن العبد أكبر من الجنة وما فيها. لأن الرضا صفة الله والجنة خلقه، قال الله تعالى: {ورضوان من الله أكبر} [مدارج السالكين]، فمنتهى الإحسان رضا الله عن عبده وهو ثواب رضا العبد عن الله تعالى وقدره وشرائع دينه، فإن الجزاء من جنس العمل.
والطريق إلى الله واضحة بينة سلكها الأولون حتى قال فيهم رب العزة: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} . فهؤلاء هم السعداء الذين ثبت لهم رضا الله عنهم وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل من تبعهم بإحسان إلى يوم القيامة.
معالم طريق الرضي
وأعلم يا ولدي الحبيب أن رضا الله له طريق، من سلكه نجى ومن غفلة تاه إلى أن يستفيق ويعاوده، ومن عمد غيره هلك، وأولى خطوات هذا الطريق:
- 1- المعرفة: قال حاتم الأصم « من أصبح وَهُوَ مُسْتَقِيم فِي أَرْبَعَة أَشْيَاء فَهُوَ يتقلب فِي رضَا الله أَولهَا الثِّقَة بِاللَّه ثمَّ التَّوَكُّل ثمَّ الْإِخْلَاص ثمَّ الْمعرفَة والأشياء كلهَا تتمّ بالمعرفة»(طبقات الصوفية للسلمي ويليه ذكر النسوة المتعبدات الصوفيات) (ص87) فمعرفة دين الله وهدي نبيه صلى الله عليه وسلم.
- 2-علو الهمة في طلب رضا الله: كان الجنيد رحمه الله يقول:« قيمة كل امرئ همته فمن كانت همته الدنيا، فقيمته لا شيء، ومن كانت همته الآخرة، فقيمته جنةٌ عرضها السموات والأرض، ومن كانت همته رضا الله تعالى، فلا قيمة له في السموات والأرضين غير الرضوان. قال الله تبارك وتعالى: {ورضوانٌ من الله أكبر} . قال أبو الطيب الشيرازي: قلت لأبي بكر الطمستاني رحمه الله وقت مفارقته: أوصني. فقال: الهمة الهمة»(الفتوة لأبي عبد الرحمن السلمي- ص69).
- 3-الصبر والمصابرة على تلمس طريق الرضا لله الواحد الأحد والتغلب على هوى النفس، فعن عبيد الله بن شميط قال: سمعت أبي يقول: إن أولياء الله، آثروا رضى الله عز وجل على هوى أنفسهم؛ وإن كانت أهواؤهم محنة لهم، فأرغموا أنفسهم كثيراً لرضاء ربهم؛ فأفلحوا، وأنجحوا(حلية الأولياء)
- إذا أنت لم تؤثر رضا الله وحده ... على كل ما تهوى فلست بصابر
- (جمال القفي- إنباه الرواة على أنباه النحاة-2/ 229)
- 4-وأعلم يا ولدي أن الدنيا دار بلاء وبوتقة اختبار، وأن الصبر والرضا على أقدار الله، بعد استفراغ الأسباب في دفعها هو طريقك لرضى الله عليك، ف عن أنس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله عز وجل إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي، فله الرضا، ومن سخط فله السخط». (حسن- شعب الإيمان- والسنة للبغوي)
- 5-والتزم رضا الوالدين في غير معصية، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رضا الرب في رضا الوالدين وسخطه في سخط الوالدين)، ( صحيح رواه الترمذي والحاكم والطبراني و البزار)
- 6-ولا تلتمس غضب الله في رضي الناس، فعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (" من التمس رضا الله بسخط الناس، كفاه الله مؤنة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله، وكله الله إلى الناس)( صحيح -رواه الترمذي وابن حبان)، قال الشافعي رضي الله عنه :رضا الناس غاية لا تدرك. فعليك بالأمر الذي يصلحك فالزمه ودع ما سواه ولا تعانه( الفتاوى لابن تيمية-3/ 232).
- 7-وكن حريصا على رضا اللَّه عز وجل، قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا بكار قال: سمعت وهبا يقول: إن الرب تبارك وتعالى قال في بعض ما يقول لبني إسرائيل: إنِّي إذا أُطعِت رضيت، وإذا رضيت باركت، وليس لبركتي نهاية، وإني إذا عصيت غضبت، وإذا غضبت لعنت، ولعنتي تبلغ السابع من الولد. (الزهد لأحمد ص 69)
- 8-وأحرص على أن تنشط لرضاه جل في علاه فقد قال الفراء «وَسمعت ابْن عليان وَسُئِلَ مَا عَلامَة رضَا الله عَن العَبْد فَقَالَ نشاطه فِي الطَّاعَات وتثاقله عَن الْمعاصِي»(طبقات الصوفية ص315).
- 9- وإياك وأن تغتر بالطاعة، فعلامة رضا الله عنك سخطك على نفسك، وعلامة قبول العمل احتقاره واستقلاله وصغره في قلبك، حتى إنَّ العارف ليستغفر الله عقيب طاعاته، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سلَّم من الصّلاة استغفر ثلاثًا. ... فمن شهد واجبَ ربِّه ومقدارَ عمله وعيبَ نفسه لم يجد بدًّا من استغفار ربِّه منه واحتقاره إيَّاه واستصغاره (مدارج السالكين )
- 10-وأعلم أن : «من رضي عن ربِّه رضي الله عنه، بل رضا العبد عن الله من نتائج رضا الله عنه، فهو محفوفٌ بنوعين من رضاه عن عبده: رضًا قبلَه أوجب له أن يرضى عنه، ورضًا بعده هو ثمرة رضاه عنه. ولذلك كان الرِّضا باب الله الأعظم، وجنَّة الدُّنيا، ومستراح العارفين، وحياة المحبِّين، ونعيم العابدين وقرَّة عيون المشتاقين.
- 11-ومن أعظم أسباب حصول الرِّضا: أن يلزم ما جعل الله رضاه فيه، فإنَّه يوصله إلى مقام الرِّضا ولا بدَّ، قيل ليحيى بن معاذٍ - رحمه الله -: متى يبلغ العبد إلى مقام الرِّضا؟ فقال: إذا أقام نفسه على أربعة أصولٍ فيما يعامل به ربَّه، فيقول: إن أعطيتني قبلت، وإن منعتني رضيت، وإن تركتني عبدت، وإن دعوتني أجبت.
- وقال الجنيد - رحمه الله -: الرِّضا هو صحّة العلم الواصل إلى القلب، فإذا باشر القلب حقيقة العلم أدَّاه إلى الرِّضا.
ياولدي: إن من الرضي بحثك عن معالم الرضا، وإن لم أستوفها لك، فدعك مما مضى وشمر ساعديك وارتمي في أحضان القضا، وكن على بصيره، فهذي أولى وصيتي علي أن أكون فتحت لك باب خيرتولج فيه، فلا تنساني من دعاءك في لحظة رضا والتمس من وصيتي لطريقك هدى.
تعليقات