نصيحة لغلاة التكفير: الفرق بين رسالة العُلثي إلى ابن الجوزي ومنهج الخليفي وابن شمس
ليست المشكلة في أن يخطئ العالم، ولا في أن يُردَّ عليه، ولا حتى في أن يشتدَّ النكير عليه؛ فتلك حركية علمية عرفها تاريخ الفكر الإسلامي، ومارسها الأئمة دون أن يروْا فيها هدمًا للمكانة، أو خروجًا عن مقتضى الأدب العلمي.
المشكلة تبدأ حين يقعُ "الانزلاق المنهجي": فيتحول الرد على المقالة إلى حكمٍ على القائل، ثم يُستحال الحكم إلى إسقاطٍ شامل، ثم يغدو الإسقاطُ معيارًا لسلامة المنهج! فمن لم يُبدّع فهو مثله، ومن لم يُحذّر فهو متساهل، حتى ينتهي المطاف بعجلة الغلو إلى محطة التكفير.
وهنا نكون قد انتقلنا من "نقد المسألة" إلى "فساد المعيار".
مفارقة الرسالة: صلابة الإنكار بلا بغي
شَهِدَ التراثُ الإسلاميُّ عبْرَ تاريخِه العريض محطاتٍ فارقةً من السجال العلمي والنقد المنهجي بين كبار الأعلام، كانت في جملتها مَظهرًا من مظاهر حيوية الشريعة وحراسة جنابها.
ومن أبرز هذه المحطات الوثيقة التاريخية الخالدة: «نصيحة الإمام إسحاق بن أحمد العلثي (ت 605 هـ) للحافظ أبي الفرج ابن الجوزي (ت 597 هـ)»؛ هذه الرسالة التي يستغلها اليوم أربابُ الفكر الحدادي المعاصر لشرعنة مسالك الإسقاط، وتمرير بدعة تبديع أكابر أئمة الإسلام وتكفيرهم باللوازم.
لم تكن الرسالة مهادنةً ولا مداراة؛ بل كانت شديدة الصرامة، صريحة التخطئة، مليئة بالإنكار لما رآه العلثي انحرافًا عن السنة في مسائل الصفات والتأويل، متضمنةً التهديد بكشف المقالات والتبرؤ منها. ومع كل هذه الشدة، تتجلى المفارقة الكبرى: لم يحتج العُلثي إلى تكفير ابن الجوزي ولا إسقاط إمامته ليثبت خطأه!
افتتح العلثي رسالته بلغة يمتزج فيها الحق بالرحمة:
«حمانا الله وإياه من الاستكبار عن النصائح، ووفقنا وإياه لاتباع السلف الصالح... ورزقنا الله الاعتقاد السليم».
ثم قرر أصلًا مكينًا: «بل ينكر المفضول على الفاضل»، ليعقبها بالعبارة الأهم، والتي لا يفهمها أولئك الأصاغر:
«فكم قد زل قلم، وعثرت قدم، وزلق متكلم».
إنها لغة تعي الفرق بين الشطط والزلل؛ فلم يقل له: "خرجت من الإسلام"، ولم يجعل خطأه في التأويل ماحيًا لسابق فضله، بل خاطبه بوصفه إمامًا يُنصح، ويُرد عليه، ويُطلب منه الرجوع.
تفكيك السلسلة التصاعدية للاستبعاد
تنسف هذه الوثيقة التاريخية ذاك التصور السطحي الذي يتعامل مع الأخطاء عبر مسار حتمي ضيق يبدأ من الخطأ، فيسارع إلى البدعة، ثم التبديع والتفسيق، وصولًا إلى التكفير.
فإن بين "القول" و"القائل" مسافة علمية؛ وبين "البدعة" و"المبتدع" شروطًا وموانع، وبين "الحكم على المقالة" و"إسقاط العين" فقهًا كاملاً من العدل. ومن أشد أبواب الظلم سحب أحكام المقالات المجردة على الأعيان بلا علم، ليعامل العالم المجتهد الواقع في زلة معاملة الهادم لأصول الدين.
وليس الطرح هنا دفاعًا عن عصمة ابن الجوزي—أو النووي، وابن حجر، والسيوطي—فهذا الهروب إلى الاستقطاب مغالطة يجب حسمها:
نفي العصمة: لا يعني إهدار القيمة أو إباحة العرض.
وإثبات الإمامة: لا يعني التحصين من النقد أو التخطئة.
تلك هي المنزلة الثالثة: أن تعرف قدر العالم، وتعرف خطأه، وترد عليه خطأه، دون أن تجعل الزلة تبتلع البحار من فضله.
أزمة الهوس بالتصنيف
يتجلى الخطاب الآثم في السنوات الأخيرة — كما يظهر في مسالك الغلو والمسلك الحدادي الذي يتصدره بعض المجاهيل، ومشاهير مواقع التواصل الإجتماعي كأمثال محمد بن شمس وعبد الله الخليفي — في تحويل النقد العلمي إلى مشروع إقصائي وهوس دائم بالتصنيف؛ عبر محاكمة العالِم وإسقاطه بمجرد وقوع الخلاف، ومحاكمة من ينتفع بكتبه أو يلتمس له العذر العلمي، والتبديع بالواسطة لكل من يرفض خوض معركة الإسقاط!
ويستغل هؤلاء النصوص الشديدة في التراث، ويقتطعونها من سياقاتها لشرعنة "إسقاط الرموز" و"التكفير باللوازم"، في جناية جليّة على تراث أئمة الفقه والحديث واللغة لمجرد وقوعهم في تأويل جزئي. إن هذا المسلك يستبدل أدب النصح إرهابًا بالتبديع، ويجهل المراتب الفاصلة بين المبتدع المباشر الراغب في هدم الشريعة، وبين الإمام المجتهد الذي زلت به القدم؛ حتى يتحول الجرح إلى غاية، وتُفرّغ "السنة" من روح العدل والعلم، لتتحول إلى شبكة معقدة من الولاء والبراء الضيق.
هل كان العلثي عاجزًا عن التكفير؟ قطعًا لا. لكنه كان يعلم أن قوة المنهج تُقاس بالعدل ووضع الأحكام في مواضعها الشرعية الصحيحة، لا بعدد من تُخرجهم من الملة.
الميزان المفقود
تضعنا رسالة العلثي أمام أسئلة جوهرية في رحلة العلم:
هل نرد المقالة أم نبني مشروعًا لإسقاط القائل؟
هل نحذر من الخطأ أم نجعل التحذير دكانًا للتصنيف؟
إن الحق لا يحتاج إلى الظلم كي ينتصر، والسنة لا تحتاج إلى الغلو كي تُصان. لقد أنكر العُلثي على ابن الجوزي، ولم يكفّره؛ وكتب نصيحةً جليلة بقيت عبر التاريخ درسًا ساطعًا: صلابةٌ في الحق، وعدلٌ مع الخلق، ونقدٌ للمقالة دون بغيٍ على القائل،
فهيا راجعوا نصَّها، وتأملوا كلماتها، لتقفوا على هذا النَّفَس الراقي في النصح، وما ينبغي أن يكون عليه من أدبٍ وحكمةٍ وإنصاف.
في رحاب العدل الشرعي
تضعنا هذه الوثيقة التاريخية أمام الميزان الحقيقي للنقد العلمي: أن نعرف لكل باب حكمه، ولكل رجل قدره، ولكل خطأ وزنه؛ فليس كل من أخطأ في الاعتقاد كافرًا، ولا كل من خالف في مسألة خارجًا من دائرة السنة، وليس كل مبتدع يُعامل معاملة الكافر.
إن الرد العلمي أشرف من التعيير، والنصيحة أنفع من التشهير، والتبديع حكم شرعي لا شعار سياسي. ومن أراد أن يدرك الفرق بين إنكار العلماء وإسقاط الغلاة، فليقرأ رسالة العلثي إلى ابن الجوزي، ثم يسأل نفسه: هل كان صاحبها لينكر أشد الإنكار لو كان يرى أن مجرد هذه المخالفات تقتضي تكفير صاحبها؟
الجواب الذي تقوله الرسالة بنفسها: نعم، أنكر بكل صلابة، لكنه أبدًا لم يكفّر؛ ليبقى الحق منتصرًا بالعدل لا بالظلم، وتظل السنة مصونة بالعلم والحلم لا بالعلل والغلو.
اشترك في الموقع لتصلك إشعارات على بريدك الإلكتروني عن المدونات الجديدة في الموقع.
العربية
English
تعليقات