3 minutes reading time (585 words)

"يهودالقبلة": ابتعاث الإرجاء في ثوب السلفية

IMG__


لطالما ساد في العقل الجمعي أن "التكفير" هو الغول الوحيد الذي يهدد بنيان الأمة، وهو حقٌ لا مِراء فيه بالنظر إلى ما خلفه الغلو من دماء وأشلاء؛ لكن القراءة العميقة والمتبصرة في أدبيات السلف الصالح تكشف عن مخاوف أشد وطأة، وقلقٍ وجودي من فكر "الإرجاء". هذا الفكر الذي لم يكن مجرد ترفٍ عقدي، بل كان "ثقباً أسود" يمتص فاعلية الأمة الأخلاقية.

لقد وصف سعيد بن جبير أصحاب هذا الفكر بأنهم "يهود القبلة" [1]، وهي استعارة بالغة الدلالة؛ فكما عُرف عن بني إسرائيل —في السياق القرآني— اجتراءُهم على ليّ النصوص، واتخاذ "الأماني" ديناً، جاء المرجئة ليحولوا الإيمان إلى مجرد "تصديق بارد" لا تتبعُه تبعة ولا يحركه موقف.

إن خطورة هذا التوصيف لا تنبع من باب "التكفير" للمرجئة، بل من باب التحذير من "المنهجية التشابهية"؛ حيث يتم تطويع الوحي ليصبح أداة لخدمة المصالح الضيقة، ومهادنة الظلم على حساب الحق الصريح. فإذا كان الخوارج قد ضلوا من باب "التعظيم المشوه" للنص، فإن المرجئة ضلوا من باب "تمويت" أثر النص في الواقع؛ فحولوا الدين إلى مخدرٍ للشعوب، وجدار حمايةٍ للمستبدين.

حقيقة الإرجاء: حين يصبح الدين "خادماً" للملك
في اللغة، الإرجاء هو التأخير، وفي الاصطلاح هو تأخير العمل عن مسمى الإيمان، بحيث لا يضر مع الإيمان ذنب [2]. لقد أدرك النضر بن شميل جوهر المسألة حين لخصها بقوله: "الإرجاء دين يوافق الملوك، يصيبون به من دنياهم، وينقصون من دينهم" [3]. فالإرجاء ليس مجرد بحث كلامي، بل هو "غطاء شرعي" لكل متجاوز، وضمانة أمان لكل مستبد، لأنه يجرّد الإيمان من سلطته الرقابية على السلطة.

سيف المرجئة: من "التخدير" إلى "التصفية"
ثمة وهم شائع بأن المرجئة تيار مسالم "قاعد" دائماً، لكن الاستقراء التاريخي يثبت أنهم يملكون سيفاً لا يقل خطورة عن سيف الخوارج. لقد تنبه الإمام سفيان الثوري مبكراً لهذا التناقض فقال: "تركت المرجئة الإسلام أرق من ثوب سابري، وهم يرون السيف على الأمة" [4].

وهذا يعني أن "توهين" أصول الدين بالإرجاء لا يمنع أصحابه من حمل السلاح، لكن المفارقة أن سيفهم لا يُسلّ إلا لحماية "عروش الظلم" أو لتصفية "دعاة الإصلاح". إنهم يرجئون الحكم في الحاكم الجائر، لكنهم يعجلون العقوبة والقتل لكل من يعارضه أو ينادي بتحكيم الشريعة في المظالم.

"المداخلة": الانبعاث المعاصر ودلالة "دم العمراني"
يمثل تيار "المداخلة" (نسبة إلى ربيع المدخلي) النسخة الأكثر فجاجة من هذا "الإرجاء المقاتل". وإذا أراد المرء برهاناً واقعياً على صدق مقولة سفيان الثوري، فلينظر إلى ما حدث في ليبيا؛ حيث تحول الفكر المدخلي إلى ميليشيات مسلحة تمارس القمع والتنكيل.

إن جريمة اغتيال الدكتور نادر العمراني (عضو مجلس البحوث بدار الإفتاء الليبية) في عام 2016، مثلت نقطة التحول الكبرى؛ حيث أقر الجناة في اعترافاتهم الموثقة بأن الدافع كان "فتوى" تعتبر الدكتور ضالاً ومبتدعاً [5]. هنا يتجلى الإرجاء في أقبح صوره:

مرجئة مع الحاكم: يسقطون عنه شروط العدل ويبررون له كل موبقة باسم "طاعة ولي الأمر".

خوارج مع المصلحين: يسارعون لتكفيرهم (معنوياً) واستباحة دمائهم وتصنيفهم "خوارج" أو "سروريين" لمجرد كلمة حق عند سلطان جائر.

الاستفاقة من التخدير
إن فتنة "التكفير" تحرق الأطراف، لكن فتنة "الإرجاء المدخلي" تنخر في العظام. إن خطورة هؤلاء تكمن في أنهم قدموا "الدين" كأداة أمنية؛ فالمؤمن عندهم هو "المطيع للسلطة" مهما فعلت، والمبتدع هو "المطالب بالحق".

لقد كان السلف الصالح على حق؛ فالذي يقتل الجسد (الخارجي) قد ينهزم، أما الذي يقتل "الروح" والوعي (المرجئ) فهو الذي يضيع بسببه الدين والدنيا معاً. والمداخلة اليوم ليسوا إلا فصلاً جديداً من قصة قديمة، هدفها دائماً: دين بلا مخالب، وأمة بلا كرامة.

الهوامش والتوثيق:
[1] أخرجه عبد الله بن أحمد في "السنة" (1/314) عن سعيد بن جبير قال: "المرجئة يهود القبلة".
[2] انظر: ابن تيمية، "مجموع الفتاوى" (7/297).
[3] أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (12/189).
[4] أخرجه عبد الله بن أحمد في "السنة" (1/311)، ومعنى "ثوب سابري" أي ثوب رقيق جداً، كناية عن تمييع الدين.
[5] انظر: تقارير الأجهزة الأمنية في طرابلس (نوفمبر 2016) حول اعترافات الجناة في قضية اغتيال الدكتور نادر العمراني، والارتباط الفكري لتيار المداخلة بالجريمة.

الحدادية: غلو التصنيف وتمزيق الأمة
"بسنت" بداية أزمة أم نهاية حقبة
 

Comments

No comments made yet. Be the first to submit a comment