تتبعنا في مقالة سابقة جذور التيار المدخلي، ونشأته، وكيف خرج من رحم لحظة سياسية متوترة في تاريخ المملكة، رُسِمت فيها معالم فكر منحرف، نُسب زورًا بـ"السلفية" [1].
واليوم، نفتح ملفًا أعمق:
من أين استقى المداخلة هذا الفكر؟
وما هو المنبع الحقيقي لمنهجهم؟
طاعة مطلقة.. من أين جاءت؟
تأمل قول الله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ}
[النساء: 59]
وقد بيّن الشيخ الشعراوي – في مقطع مشهور – أن الله تعالى قرن أمر الطاعة بـ"وأطيعوا" لله وللرسول فقط، ثم قال: "وأولي الأمر"، دون أن يُكرّر لفظ الطاعة، وهذا إشارة قرآنية دقيقة إلى أن طاعة أولي الأمر ليست ذاتية، بل تابعة لطاعة الله ورسوله [2].
وقال النبي ﷺ:
«لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»
[شرح السنة للبغوي/2455] [3]
الشيخ الشعراوي، الذي عمل لعشر سنوات في السعودية (1950-1960)، كان يخاطب هذا الفكر صراحة. بدا كأنه يوجه كلامه لشيوخ بعينهم ممن رسّخوا طاعة الحكام بلا قيد، حتى غلت عقول الأتباع، وعلت أصوات ترددها في مصر بعد أن تأثر كثير منهم بفكر ما يُعرف اليوم بـ"المدخلية" أو "المداخلة" [4].
من أين جاءت الغلو في الطاعة؟
حين أسّست الدولة السعودية الثالثة عام 1932م، بنيت على مظلة دعوية عنوانها "التوحيد"، وجذورها ترجع إلى دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله [5].
ولم تكن هذه الدعوة – في أصلها – منحرفة، لكنها حين ارتبطت عضويًا بسلطة آل سعود، أُفرغت من مضمونها الجهادي والإصلاحي، وحُصرت في تحصيل شرعية مطلقة للحكم، فكان شعار "بلاد التوحيد" وهذا بلاشك أسميه: "الطيبة الممزوجة باللسعان."
صار كثير من المشايخ يُعاملون ملوك الدولة كأنهم خلفاء راشدون، معصومون، لا يُسألون عما يفعلون. ومع الوقت، أصبح من المعتاد أن تُنسب لهم صفات الأولياء، ويُبرر كل تصرف صادر عنهم باسم "المصلحة الشرعية".
المفترق: حادثة جهيمان
حادثة جهيمان في الحرم المكي كانت زلزالًا سياسيًّا ودينيًّا، فشعرت الدولة بالتهديد، وأدركت أن الصحوة بدأت تخرج عن السيطرة [6]. فما الحل؟
رأوه في توسيع دور المشايخ لكن تحت سقف الدولة. فنقل مشايخ السعودية جميعهم ما قيل سلفًا في قرون الأئمة والأعلام مثل أحمد بن حنبل رحمه الله، وغيره عن وجوب طاعة ولاة الأمور.
وازدهر الخطاب الديني الرسمي، وصعدت شخصيات قريبة من السلطة، حتى جاءت أزمة الخليج وغزو صدام للكويت، فطلبت المملكة تدخلًا أمريكيًا، مما فجّر انقسامًا ضخمًا بين علماء الصحوة و"علماء الدولة".
وظهر على الساحة آنذاك محمد أمان الجامي، وربيع المدخلي، اللذان قدّما فكرًا شديد الولاء للحاكم، متطرفًا في تخوين المخالف، صيغَ بعبارات سلفية ظاهرها الحق، وباطنها التقديس للسلطان. وبهذا، وُلد تيار "المداخلة" [7].
السلفية الحقيقية.. ليست كذلك
السلفية الحقيقية، كما عرّفها الأئمة الكبار، هي منهج يقوم على فهم الكتاب والسنة بفهم الصحابة، والتابعين [8]. وليست غطاءً سياسيًّا، ولا أداة لشيطنة المعارضين.
السلفية تُنكر الظلم، وتنصح للحاكم، وتُقاوم الفساد، كما فعل سعيد بن جبير مع الحجاج، وأحمد بن حنبل في فتنة خلق القرآن.
لكن المداخلة قدموا نموذجًا مقلوبًا، لا يُشبه السلفية في شيء، بل يُشبه علماء السلاطين عبر العصور. الحاكم عندهم معصوم، والمخالف خارجي، والساكت ناجٍ!
ملامح الانحراف… صدى الجهمية والمرجئة
من ينظر بإنصاف في فكر المداخلة، يجد أنه يكرر انحرافات فرق قديمة مثل الجهمية والمرجئة، منها:
إسقاط أثر العمل: حين يجعلون إنكار المنكر على الحاكم منكرًا، والسكوت طاعة.
تعطيل النصوص السياسية: كما عطلت الجهمية الصفات، عطّل هؤلاء نصوص الشورى والعدل والجهاد.
الطاعة العمياء: الحاكم عندهم لا يُنصح، ولا يُنتقد، ولا يُساءل.
وتمامًا كما حدث في تسمية "فرقة الجهمية" التي سُميت على اسم "الجهم بن صفوان"، في حين أن أول من تكلّم بهذا الاعتقاد كان الجعد بن درهم، الذي قتله خالد القسري لأنه قال: "إن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولا كلم موسى تكليمًا".
فالفكر المدخلي كذلك نُسب لمن نشره وهو ربيع المدخلي، وإن كان منشؤه في الأصل هو محمد أمان الجامي. [9]
علماء في الظاهر.. أتباع الحزب في الباطن
ليس غريبًا أن تجد المداخلة يتصرفون كالحزب السياسي الواحد:
تأليه "الزعيم".
تخوين الخصوم.
احتكار التفسير السليم.
تحميل النصوص الشرعية أكثر مما تحتمل، لتخدم أجندة سياسية.
وقد صاغوا خطابهم بمكر: يبدأ بالإمام أحمد، ثم ابن تيمية، ثم إلى ابن باز والعثيمين، فيبدو كأنه المنهج السلفي الخالص. لكن الحقيقة أنهم ينقلون عن هؤلاء نصوصًا مجتزأة، خارج سياقاتها، ويوظفونها لأغراضهم.
الضحية: أتباع مساكين
هؤلاء الأتباع صدقوا ما قيل لهم، وظنوا أنهم على طريق النجاة، فإذا هم – دون وعي – يخدمون سلطة ظالمة، ويُعادون أولياء الله الصالحين.
ولو قرأوا التاريخ، لعرفوا أن الحجاج – رغم طغيانه – لم يمنع الدعوة، ولم يبدّل الشريعة، ولم يُغلق أبواب الأمر بالمعروف.
أما اليوم، فنحن أمام من يمنع الحق باسم الشرع، ويُلبّس الطغيان لباس الدين.
الحكم على الواقع لا يكون بالألقاب، بل بالحقائق.
المداخلة منهج مخترع دخيل
المدخلية ليسوا أهل سنة، ولا أهل حديث، ولا أهل إنصاف. بل هم امتداد لعلماء السلطان، متلبّس بعبارات السلف.
واعلم أنه مَنْ طلب الحق ولم يتعصب لشيخ ولا لطائفة، فهو من الموفقين.
والسؤال الحقيقي لكل أحد هو: هل أنت مع الحق، أم مع تكرار مقولات قديمة تسوّغ للظلم؟
ورسالة إليك أخي القارئ:
إن أحسست أن هذا الكلام غريب، أو قاسٍ، أو غير مألوف، فلا تتسرع بالرد، بل ابحث، واقرأ، وانظر في الوقائع والأحداث، ثم احكم. فليس كل من تحدث عن "السنة" على السنة، ولا كل من رفع لواء السلفية على طريقهم.
الهوامش والمصطلحات
[1] التيار المدخلي: حركة دينية سلفية معاصرة، تُنسب إلى الشيخ ربيع بن هادي المدخلي، وتُعرف بولائها الشديد للحكام وتحريم الخروج عليهم أو انتقادهم علنًا، وتخوين المخالفين. نشأتها مرتبطة بظروف سياسية معينة في المملكة العربية السعودية. (يمكن الرجوع لمقالات ودراسات متخصصة في الحركات الإسلامية المعاصرة، مثل موقع المجدد للبحوث والدراسات أو مقاطع يوتيوب تحليلية).
[2] تفسير الشيخ الشعراوي لآية "وأولي الأمر منكم": يشير إلى تفسير الشيخ محمد متولي الشعراوي (1911-1998) للآية 59 من سورة النساء، حيث يرى أن عدم تكرار "وأطيعوا" قبل "أولي الأمر" يدل على أن طاعتهم ليست مطلقة ومستقلة، بل هي مقيدة بطاعة الله ورسوله. (يمكن الرجوع إلى تسجيلات مرئية أو مسموعة للشيخ الشعراوي حول تفسير هذه الآية، أو كتب تفسيره).
[3] حديث «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»: حديث نبوي شريف يؤكد على أن طاعة الله ورسوله مقدمة على أي طاعة أخرى، ولا يجوز طاعة أحد إذا أمر بمعصية الله. (مذكور في كتب السنة، مثل شرح السنة للبغوي).
[4] المدخلية/المداخلة: مصطلح يطلق على أتباع المنهج الفكري الذي أسسه محمد أمان الجامي وربيع المدخلي، ويتميز بالتركيز على طاعة ولي الأمر المطلقة والتحذير الشديد من "الخروج" على الحكام أو انتقادهم، وتصنيف المخالفين لهم كـ"خوارج" أو "أهل بدع".
[5] الدولة السعودية الثالثة والدعوة الوهابية: تأسست المملكة العربية السعودية عام 1932م (الدولة السعودية الثالثة) على يد الملك عبد العزيز آل سعود، واستندت في شرعيتها إلى الدعوة الإصلاحية للشيخ محمد بن عبد الوهاب (1703-1792م) التي تركز على التوحيد ونبذ الشرك والبدع. (يمكن الرجوع إلى كتب تاريخ المملكة العربية السعودية، مثل "تاريخ نجد" لابن غنام، أو دراسات عن العلاقة بين الدولة والدعوة).
[6] حادثة جهيمان: هي حادثة اقتحام الحرم المكي الشريف في غرة محرم عام 1400 هـ (نوفمبر 1979م) من قبل جماعة يقودها جهيمان العتيبي، الذي بايع صهره محمد بن عبد الله القحطاني على أنه المهدي المنتظر. هزت هذه الحادثة العالم الإسلامي وكان لها تداعيات سياسية ودينية كبيرة. (يمكن الرجوع إلى تقارير إخبارية، مقالات تاريخية، أو دراسات عن الحادثة).
[7] محمد أمان الجامي (1930-1996م) وربيع بن هادي المدخلي (مواليد 1931م): عالمان سعوديان (أو مقيمان في السعودية) يعتبران من أبرز مؤسسي الفكر المدخلي، وقد برزا بشكل خاص بعد أزمة الخليج الثانية (غزو الكويت) في دفاعهما الشديد عن الأنظمة الحاكمة وتحريم أي معارضة لها. (يمكن الرجوع إلى دراسات عن التيارات السلفية المعاصرة أو مقالات تحليلية عن فكر الجامي والمدخلي).
[8] السلفية الحقيقية: منهج إسلامي يقوم على فهم القرآن والسنة بفهم السلف الصالح (الصحابة والتابعين وتابعيهم)، ويتميز بالالتزام بالنصوص الشرعية والبعد عن البدع والفرق. (يمكن الرجوع إلى كتب العقيدة السلفية، مثل "العقيدة الواسطية" لابن تيمية، أو تعاريف السلفية في الموسوعات الإسلامية).
[9] الجهمية والمرجئة:
الجهمية: فرقة كلامية قديمة تُنسب إلى الجهم بن صفوان، وتُعرف بإنكارها لصفات الله تعالى، وقولها بخلق القرآن، وبأن الإيمان هو مجرد المعرفة بالقلب دون العمل أو القول.
المرجئة: فرقة كلامية قديمة ظهرت في صدر الإسلام، وتُعرف بقولها إن العمل ليس جزءًا من الإيمان، وأن الإيمان هو التصديق بالقلب فقط، أو التصديق والقول، وأن المعصية لا تضر مع الإيمان. (يمكن الرجوع إلى كتب الفرق والمذاهب في الإسلام، مثل "مقالات الإسلاميين" للأشعري، أو "الفرق بين الفرق" للبغدادي).
Comments