3 minutes reading time (668 words)

حزب النور من البرلمان إلى الحضيض: ورقة النظام المحروقة

IMG-20250807-WA0001

 

في مشهدٍ يعيد الذاكرة إلى الوراء، يعود الجدل حول خسارة الأحزاب الإسلامية في الانتخابات المصرية، لكن من المهم أن نُميّز بين خسارة الإخوان المسلمين في انتخابات 2010م، وخسارة حزب النور في انتخابات 2025م. فالأولى كانت شرارةً للغضب والثورة، والأخرى ليست أكثر من سقوطٍ طبيعي لجسدٍ ميت لا روح فيه.

الإخوان و"خليهم يتسلّوا"

في عام 2005م، شكّلت نتائج الانتخابات صدمة سياسية حين حصد الإخوان 88 مقعدًا. ارتعب النظام، وقاد أحمد عز حملةً لتجفيف الحياة السياسية، فخرجت انتخابات 2010م بلا معارضة تُذكر. لكن حالة الاحتقان التي سبّبها إقصاء المعارضة ولّدت انتفاضة 25 يناير، حيث خرج الناس في "عيد الشرطة" يهتفون ضد الظلم، وانتهى الأمر بإسقاط نظام مبارك.

أما اليوم، فلا أحد يغضب لخسارة حزب النور، ولا أحد ينتظر منه شيئًا أصلًا. فالحزب الذي ظلّ يروّج لنفسه كتيارٍ سلفي إصلاحي مشارك، أصبح في نظر الجميع مجرد منديل استخدمه النظام ثم رماه، ومشهد ضرب أحد أعضائه أمام لجنة انتخابية بسبب "سوء تفاهم" كافٍ لتلخيص نظرة الدولة والجمهور إليه: إرهابي، عدو للوطن، منبوذ.

حزب النور: سقوط أخلاقي قبل أن يكون سياسيًا

المشكلة الحقيقية ليست في موقف الدولة من حزب النور، بل في عمى بصيرة أنصاره، من الشيوخ حتى صغار الألتراس. فهؤلاء لا يدركون أنهم أصبحوا مكروهين ومنبوذين شعبيًا، وأن أي عاقل نظيف لا يقبل مجرد التواصل معهم، فضلًا عن أن يكون محسوبًا عليهم.

حزب النور اليوم، بكل صدق، ليس سوى كيانٍ ميت، أشبه بامرأةٍ ساقطة هرِمَتْ ولم يَعُد أحد يرغب فيها. تُجمل نفسها في موسم الانتخابات، تضع المكياج وتلبس الفاضح، وتحاول أن تجد لنفسها زبونًا سياسيًا، فلا تجد. إنها كوميديا سوداء مؤلمة في الحياة السياسية المصرية.

شهادة وتوثيق

تسجيلنا لمشهد سقوط حزب النور ليس شماتة، وإنما شهادة تاريخية للأجيال القادمة: من أعان ظالمًا، استُخدم ثم أُهين، من خان ثقة الناس وباع دعوته، عاش ذليلًا لا قيمة له.

داعية منذ عدة سنوات طلب بهدوء من أعضاء الحزب حذف صداقتهم من حسابه على فيسبوك، لأنه لا يريد أن يتلوّث اسمه بموسم الدعارة الانتخابية، صرخ فيهم صرخة صدق، فهجموا عليه كالكلاب المسعورة. لأنه ذكّرهم بأصلهم، وخيبتهم، وانعدام شرفهم. فاتهموه بالدعشنة والتطرف والتكفير، وهي باقة التهم الجاهزة لكل من يجرؤ على تذكيرهم بحقيقتهم.

بين موقف العلماني المُشرّف والمنتسب الخائن

السؤال الذي يُطرح كثيرًا: هل حزب النور أقرب إلينا من العلمانيين؟ السؤال نفسه غبي، لأنه يُجبرنا على المقارنة بين فاجرٍ صريح ومعرصٍ منافق. ،ولقد رأينا في السنوات الماضية علمانيين وليبراليين أكثر شرفًا في مواقفهم من كثير من قيادات الحزب. فمواقف رجال مثل علاء عبدالفتاح أو هيثم محمدين أو عبده فايد -على اختلافنا الفكري معهم- كانت أحيانًا أكثر رجولة وشرفًا من تلاعبات شريف طه وسامح حمودة.

الفيصل ليس في التصنيفات الأيديولوجية، بل في الرجولة، والموقف، والشرف. وحزب النور فشل في هذه المعايير كلها.


من الانهيار إلى التأمل: ثلاث مقاربات لموقفنا من الحزب

في ظل هذا الانهيار الأخلاقي والسياسي، ظهرت ثلاث مقاربات فكرية يمكن أن تُسهم في تشكيل موقف أكثر عمقًا وواقعية:

1. مقاربة الأمل المأمول: عبّر عنها أحد الفضلاء، وهي أقرب للحلم البعيد، حين تمنّى مشروعًا يجمع العلماء والمفكرين على نظام حكم أقرب إلى روح الخلافة مع قابلية التطبيق الحديث، ينهي حالة العبث الديمقراطي بمفهومه الغربي. لكن هذا النموذج غير ممكن في واقعنا الآن.


2. مقاربة التريّث والتجربة: رواها الدكتور سمير شريف، عن عالمٍ كبير قال: "دعوا حزب النور يكمل تجربته، فإن وُفّق فهو خير، وإن فشل، فأحضاننا مفتوحة له." وهذا موقف فيه لطف وواقعية، لكنه يتجاهل أن التجربة انتهت فعلًا بالفشل والمهانة والانكشاف، ولم يعد في الحزب ما يُنتظر منه الخير.


3. مقاربة الدكتور محمد السعيدي: وهو من خارج الدائرة المصرية، دافع عن وجود الحزب باعتباره الكيان الوحيد ذو خلفية دينية في برلمان تتصارع فيه قوى علمانية ويسارية وعدوان على الدين. فرأى أن الدخول ولو عبر حزبٍ مأزوم خير من ترك الساحة خالية للخصوم. لكن هذا الرأي، رغم وجاهته السياسية، يتجاهل عمق السقوط الأخلاقي وفقدان الثقة الشعبي التام في الحزب، بل واستحالة قيامه بدور فاعل ولو شكلي.

في الختام

ليس الجدل مع حزب النور خلافًا فقهيًا أو اجتهاديًا كما يروّج البعض، بل أزمة شرف ومروءة وكرامة. والمراهنة عليه هي مراهنة على جسد ميتٍ، بلا كرامة ولا سمعة ولا قواعد شعبية ولا احترام في الداخل أو الخارج.

إن كان لا بد من فاعل ديني سياسي في المشهد المصري، فلن يكون بهذا الشكل المهين. المشهد بحاجة إلى مراجعة كاملة، وإعادة بناء تيار دعوي سياسي نزيه، مستقل عن السلطة، لا يتكئ على أكتاف الظلمة، ولا يبيع دينه بدراهم معدودة ومقاعد برلمانية.

رصاصة في قلب غزة من القاهرة.
عبدالله رشدي وتديين الخيانة: تبرير الحصار باسم الش...
 

Comments

No comments made yet. Be the first to submit a comment