6 minutes reading time (1277 words)

اغتيال مجتمعي في صورة قانون

IMG-20260402-WA0000

​بين أروقة التشريع وضجيج التحديث، يطلّ علينا "قانون الأسرة لعام 2025"، لا بوصفه مجرد نصوصٍ إجرائية، بل كزلزالٍ بنيوي يضربُ أوتاد "الميثاق الغليظ" في مكمنه.
إن هذا القانون يطرحُ إشكاليةً كبرى تتجاوزُ حماية الحقوق الظاهرية، لتمسَّ جوهر السيادة الروحية التي قامت عليها الأسرة المسلمة لقرون.

​"القبلة التشريعية"
​إن أولى عثرات هذا القانون تكمن في "بوصلته"؛
فالتشريع الذي يبتغي استقامة البيت لا يستقيمُ إلا بسلامة وجهته.
"السيادة" في هذا القانون قد نُزعت غصباً من مِشكاة الوحي لـتُودع في يد "الإرادة الوضعية" المحضة. وهنا تبرزُ العلة الكبرى؛ فالحقُّ الذي لا يستمدُّ شرعيته من حكم الله يظلُّ جسداً بلا روح، حتى وإن وافق الشريعة في آحادِ مسائلها. إنها صلاةٌ أُديتْ إلى غير "القبلة"، فلا تشفعُ لها دقةُ الركوع ولا جمالُ التلاوة؛ إذ إن العبرة في التشريع بـ "المصدر" لا بالصورة، وبـ "الأصل" لا بالشبه.

​وأدُ التاريخ في كفن "التحديث"
​لم يكن استبدالُ مسمى "الأحوال الشخصية" بـ "قانون الأسرة" زلةَ قلمٍ أو ترفاً لغوياً، بل كان "بترًا معنوياً" مقصوداً.
​ إن مصطلح "الأحوال الشخصية" كان الرابط الوجداني والتاريخي الذي يصلُ قضاء اليوم بـ "المدونة الفقهية" الضاربة في عمق الحضارة، والامتداد الطبيعي للوائح المحاكم الشرعية المستقرة. أما المسمى الجديد، فهو إعلانُ انفصالٍ تام، وإيذانٌ بموت المرجعية الفقهية أمام سطوة "المدنية" الجافة؛ وكأنما يراد للأسرة أن تُقتلع من تربتها الإيمانية لتُغرس في أصيصٍ زجاجي لا حياة فيه ولا مدد.

​حين يتحول "الحامي" إلى "قيد"
​تتجلى الخطورة في هذا التحول حين يغدو القانون أداةً لـ "عسكرة" المودة؛ فبدلاً من أن يكون التشريع سياجاً يحمي الخصوصية، تحول إلى يدٍ باطشة تقتحم أدق تفاصيل السكن النفسي.
ومنح السلطة القضائية حق التدخل المطلق في مفاصل الحياة الأسرية يهدد بتحويل "حق الرعاية" إلى "واجبٍ عقابي"
فالأسرة كائنٌ حيّ يتنفسُ بـ "المعروف"، وإقحام "النص الجامد" في ثنايا العاطفة يفسدُ فطرة البناء، ويحولُ ميثاق الزواج من "رباطٍ قدسي" إلى "عقدٍ مدني" بارد، ينتظر الطرفان فيه لحظة الانقضاض القانوني.

​انفصال النص عن الأصل (صناعة المنطقة الرمادية)
​إن هذا القانون بتبنيه الفلسفة الوضعية الصرفة، قد صنع "صدعاً" في الضمير الجمعي؛ حيث بات الفرد يقف حائراً بين "المباح القانوني" و**"الحرام الشرعي"**.
وإهدار حجية "الكلمة الشفهية" في الطلاق –مثلاً– بدعوى التوثيق الرقمي، هو إهدارٌ لجوهر العقيدة التي تقوم على "الوفاء بالعهود".
وكذلك محاولة إرغام الواقع الاجتماعي على التنكر لثوابته الدينية لن تولّد إلا مجتمعاً يعيشُ ازدواجيةً مدمرة، ويُدار بـ "شيزوفرينيا" تشريعية تُسقطُ هيبة القانون في نظر الضمير الأخلاقي.

إنَّ قانونَ الأسرة لعام 2025، بصيغته الحالية، لا يبدو مجردَ تعديلٍ تشريعي، بل أقربُ إلى محاولةٍ لـ"كشف ظهر المجتمع" عبر نزع حصنه الأخير: تماسك الأسرة. نحن أمام نصٍّ لا يحتاج إلى إصلاحٍ جزئي، بل إلى "إصلاحِ الإصلاح" ذاته، حتى تستعيد البيوت سكينتها، ويعود للدين مقامُه وهيبتُه، ويؤدي القانون وظيفته الحقيقية بوصفه خادمًا للقيم، لا معولًا لهدمها.
ومع ذلك، فإنَّ هذا التوصيف العام لا يُغني عن واجب النقد التفصيلي؛ بل يفتحه ويؤسّس له. فبعد بيان خطورة الاتجاه الكلي للتشريع، يظلّ من الضروري تفكيك مواده، ومناقشة بنوده بندًا بندًا، لتمييز مواضع الخلل، وتقويم ما يمكن تقويمه على أسسٍ علميةٍ وشرعيةٍ رصينة.

الطلاق الشفهي: صدام "النص الوضعي" مع "الميثاق الغليظ"

تعد قضية الطلاق الشفهي حجر الزاوية في الجدل الدائر حول القانون الجديد، فهي لا تمثل مجرد إجراء إداري، بل تمس جوهر العقيدة المنظمة للروابط الأسرية. فبينما يتجه المشرع في قانون 2025 نحو "رقمنة" الانفصال وحصره في الإثبات الرسمي كشرط للاعتداد به، نجد اصطداماً مباشراً مع المستقر من أحكام الشريعة الإسلامية.

المرجعية الشرعية: اللفظ هو الأصل

تُجمع المذاهب الفقهية الأربعة على أن الطلاق "تصرف قولي" ينعقد بمجرد التلفظ به من الزوج العاقل المختار، مستندين في ذلك إلى قوله تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}. فالشارع الحكيم جعل نفاذ الطلاق مرتبطاً بالكلمة، لأن الزواج ذاته انعقد بكلمة (الإيجاب والقبول).

وعندما يقول النبي ﷺ: "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة" أخرجه أبو داود، وغيره،
فإنه يؤكد خطورة اللفظ ونفاذه الفوري بمجرد خروجه من الفم، دون أن يشترط وحياً أو كتابة أو توثيقاً من قاضٍ لوقوع أصل الطلاق شرعاً.

إشكالية "المنطقة الرمادية"
ستعيش الأسر في شيزوفرينيا "الحلال القانوني" و"الحرام الشرعي"، و​هنا تبرز المعضلة الكبرى؛ حيث يفرض القانون الجديد "الإثبات الرقمي" شرطاً وحيداً للاعتداد بالطلاق، ضارباً عرض الحائط بحجية اللفظ الشفهي المستقر شرعاً. هذا التوجه لا يمثل مجرد إجراء إداري، بل هو صناعة متعمدة لـ "منطقة رمادية" بالغة الخطورة، تضع الأسرة أمام "صدعٍ" وجودي لا تبرأ منه:
​المأزق الأخلاقي (بين النص والواقع)
حين يُطلّق الزوج زوجته شفهياً، تصبح في ميزان الشرع أجنبية عنه (خاصة إذا كانت الثالثة)، بينما يراها القانون "زوجة" كاملة الحقوق والواجبات حتى ينتهي روتين التوثيق. هذا التباين يُجبر الطرفين على العيش في "شبهة" دينية مرعبة؛ فكيف يقيم رجل مع امرأة بانت منه في ميزان السماء، لمجرد أن "النص الوضعي" لم يعترف بعدُ بانتهاء العلاقة؟
​إهدار ميثاق "الكلمة"
هذا القانون، بتبنيه الفلسفة الوضعية الصرفة، يهدر جوهر العقيدة القائم على "الوفاء بالعهود"؛ فالزواج الذي انعقد بكلمة (الإيجاب والقبول) يُراد له ألا ينفسخ إلا بـ "خوارزمية" رقمية. وفي هذا إهانة لخطورة "اللفظ" الذي جعله الشارع الحكيم مناط الأحكام، وتدنيس لقدسية "الميثاق الغليظ" بجعله رهينةً للأوراق لا للضمائر.
​التبعات النفسية والازدواجية المدمرة
إن إرغام الواقع الاجتماعي على التنكر لثوابته الدينية يولد مجتمعاً يعيش ازدواجية "مدمرة" في ضميره الجمعي. وحين يُخيّر الفرد بين طاعة القانون وبين الالتزام بحدود الله، تسقط "هيبة القانون" في نظر الضمير الأخلاقي، ويتحول التشريع من أداة لحفظ الحقوق إلى وسيلة لتفتيت السكينة النفسية وزرع "الشيزوفرينيا" في قلب الكيان الأسري.

​ولاشك أن محاولة تأميم (الفتوى الشرعية) لصالح (الإجراء الإداري) لن تؤدي إلا إلى نشوء أسرٍ تعيشُ ظاهراً قانونياً منضبطاً، وباطناً شرعياً منهاراً، وهو ما يفرغ مؤسسة الزواج من مضمونها الأخلاقي ويحولها إلى مجرد هيكل شكلي أمام منصات القضاء."

النتيجة: تعقيد النزاع لا حله
بدلاً من أن يكون القانون وسيلة لحماية الحقوق (مثل حق الزوجة في إثبات طلاقها لتبدأ عدتها أو تتزوج بغيره)، تحول في شكله الجديد إلى أداة لإطالة أمد النزاع. فالإجراءات القانونية المعقدة قد تستغرق شهوراً أو سنوات، وخلال هذه الفترة يبقى "المعلقون" في حيرة من أمرهم.
إن هذا الفجوة تعكس حاجة ملحة لـ "جسور فقهية قانونية"؛ بحيث يضمن القانون التوثيق (لحماية الحقوق المالية والمدنية) دون أن ينفي وقوع الأصل الشرعي، لأن إهدار اللفظ الشفهي لا يغير من حقيقة أن "العقد الشرعي" قد انفسخ في السماء، ومحاولة إرغام الواقع على مخالفة العقيدة لن تؤدي إلا إلى زعزعة الثقة في المنظومة القانونية برمتها.

معادلة الحضانة والرؤية: "حق الرعاية" في مواجهة "واجب الأبوة"

لقد منح القانون الجديد الأولوية المطلقة للأم في ترتيب الحضانة، وهو توجه إنساني في ظاهره،
لكنه تضمن مواد قد تخل بمبدأ العدالة الاجتماعية:
المقايضة بالنفقة: ربط حق الأب في رؤية أطفاله بمدى التزامه بالنفقة يحول "حق الأب الشرعي" إلى "امتياز قانوني" قابل للسحب. هذا التوجه يتجاهل أن علاقة الطفل بوالده ليست سلعة تجارية، وأن الحرمان من الرؤية يولد اضطرابات نفسية عميقة لدى الأطفال.
تغليظ العقوبات: في المقابل، جاء النص على إسقاط حضانة الأم أو حبسها في حال منع الرؤية كعقوبة "مفرطة". إن تحويل القانون إلى أداة ضغط وعقاب بدلاً من كونه وسيلة إصلاح، يجعل من الأسرة ساحة للمعارك القضائية لا مكاناً للتنشئة السوية.

الخلع الجديد: أعباء مالية تقوّض المقصد الشرعي

أعاد القانون تشديد إجراءات الخلع عبر إلزام الزوجة برد "قائمة المنقولات" بالكامل. هذا التعديل يثير القلق لعدة أسباب:
الضغط المادي: تحول الخلع من وسيلة مرنة لإنهاء العلاقة بالتراضي (كما في المقصد الشرعي) إلى عبء مالي باهظ قد يجبر المرأة على البقاء في علاقة مؤذية.
النزاعات المستمرة: هذا الإلزام يتجاهل التوافقات الشرعية والظروف الخاصة بكل حالة، مما يفتح باباً واسعاً لنزاعات قانونية مدمرة لا تنتهي بانتهاء عقد الزواج.

فلسفة العقوبة مقابل ثقافة الإصلاح
يؤخذ على القانون الجديد ميله الواضح نحو "عسكرة" العلاقات الأسرية من خلال التوسع في عقوبات الحبس وإسقاط الحقوق.
"الأسرة كيان حي يتنفس بالمودة والرحمة، وليست مجرد نصوص جامدة تُفرض بقوة السلاح القانوني."
إن التركيز على الردع بالعقوبة بدلاً من التوجيه نحو الإصلاح والمصالحة يعكس رؤية ضيقة؛ فالقانون الذي لا يوازن بين مصالح الأطفال وحقوق الأبوين بإنصاف، يخاطر بتحويل الخلافات البسيطة إلى جرائم جنائية تهدم ما تبقى من أواصر الود.

نحو تشريع يحترم الواقع والقيمة
إن أي قانون يحترم الأسرة يجب أن يكون مرآة لقيم المجتمع لا قيداً عليها. إننا بحاجة إلى مراجعة دقيقة تضمن:
الموازنة بين مقتضيات العصر وبين الثوابت الشرعية.
تفعيل مكاتب التوجيه الأسري لتكون بديلاً عن منصات القضاء في حل النزاعات.
حماية حقوق الطفل دون اتخاذها وسيلة لابتزاز أي من الطرفين.
الحداثة لا تعني الانبتات عن الجذور، والقانون الناجح هو الذي يبني مجتمعاً متماسكاً، لا ذلك الذي يكتفي بنصوص شكلية تصدم الضمير الجمعي وتعمق الانقسام الأسري.

"بسنت" بداية أزمة أم نهاية حقبة
إذ الحطامُ يصنعُ الانتصار: اللَّحظةُ الفارِقةُ
 

Comments

No comments made yet. Be the first to submit a comment