بعد وفاة مؤسس الفرقة المدخلية (ربيع المدخلي) هون بعضهم آثاره في شق صف أهل السنة واستحلال دماء فئام منهم،كما ذهب أخرون لوصفه بالعالم الجليل صاحب المؤلفات، وإن كانت له سقطات، وهرول البعض لنعيه والتباكي عليه وعلى جهوده العلمية في صد الحق ونصرة تهاويل وأباطيل أجهزة المخابرات التي دعمت منهجه، متناسين أنه بقية وصايا مؤسسة راند، ونصيحة كل من أراد اسكات صحوة الدعوة المعاصرة.
ومما ورثناه من خطاياه تأصيله لأمور سياسية شرعية بنى عليها أباطيله، إطلاقه " أولي الأمر" على كل من هب ودب دون شرط أو قيد ودون تحكيم الشريعة، حتى غالى أتباعه فقالوا وبلا دين يدان به، ورمي كل من خالف تصوراتهم الفاسدة بالخروج والمروق و التحريض على استحلال دماء أهل القبلة فكانوا( خوارج على أهل الإسلام مرجئه مع أهل الكفر والطغيان).
ولم أكن أتصور أن القاعدة الفقهية: ﺍﻟﻤﻌﺩﻭﻡ ﺸﺭﻋﺎ ﻜﺎﻟﻤﻌﺩﻭﻡ ﺤﺴﺎ (الفروق للقرافي) التي سطرتها أفهام أهل الفقه، تتحول منطلقا لصراع سياسي متعمد، تراق فيه دماء الآلاف من الأبرياء، بسبب تبلد أذهان مجموعة ممن ينتسبون للعلم الشرعي المنفصلين عن فهم الواقع من طائفة (المداخلة).
حتى رأيت بعيني متجرئين على الشريعة من أدعياء السلفية وهم يسجلون صفحات سيعجز التاريخ عن سطر حقيقتها من وصف وحكم.
فمسألة الإمامة الشرعية وإمارة الدولة، التي لم يعد لها توصيف واقعي في النظم السياسية الوطنية الحديثة، باتت محل تظيروجدل في أدبياتهم وكتبهم وخطباتهم ومناظراتهم بطريقة غير منضبطة. وسأشرع في بيانها.
أصل المسألة
فبالرغم مما اتفق عليه علماء السياسة الشرعية: من أن الإمامة العظمى أو الخلافة أو إمارة المؤمنين تدل على وظيفة واحدة هي السلطة الحكومية العليا.
وقد عرفوها بتعاريف متقاربة في ألفاظها، متحدة في معانيها تقريباً، علماً بأنه لا تشترط فقط كصفة للخلافة، وإنما المهم وجود الدولة ممثلة بمن يتولى أمورها، ويدير شؤونها، ويدفع عنها غائلة الأعداء .
وقرر الماوردي: الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا
( الأحكام السلطانية).
وحدد ابن خلدون بطريقة أخرى وظيفة الإمامة فقال في مقدمته ج1 ص191: هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها؛ إذ أن أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة.
فهي في الحقيقة: خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به.
وكل كتب السياسة الشرعية حددت شرط الموصوف بالإمامة هو: إقامة الدين بتطبيقه وعلو الشريعة وسيادتها الكلية قانونيا وسياسا، وهذا ينعدم انعدامًا كليًّا أو جزئيًّا من الناحية الشرعية في النظم العلمانية المعاصرة، وليس الأمر مجرد وجود حسي لأي سلطة بأي شكل.
وأبسط مثال لانعدام هذه النظم شرعا ولتقريب الفهمفإنها: كالماء المتغير وصف طهوريته فهو منعدم شرعا ولايصلح للوضوء والطهارة، رغم وجوده حسا.
هل الشريعة مصدر وحيد ؟
هل مسألة النص في الدساتير على أن الشريعة مصدر للقانون تعني أنها المصدر الوحيد؟ بالطبع لا، بل هي تتساوى مع عشرات المصادر الأخرى، وليست المصدر الوحيد، ولو حتى كانت هناك بعض القوانين المقتبسة من الشريعة، فهي في إطار قانون وليست في منظومة شرعية متكاملة، وأشبه ما تكون كمن صلى صلاة كاملة الأركان لكن كانت قبلته (البيت الأبيض) وليس للكعبة المشرفة .
وتكاد تحكم على هؤلاء القوم بذهاب العقل عند أي نقاش معهم، فهم لا يعرفون شيئا من عالم السياسة المعاصرة، ولا نشأة الدول الوطنية، ولا تنحية الشريعة لصالح القوانين الغربية، ولا نظرية السيادة، ولا المشروعية العليا في الدولة الإسلامية.
شغور الزمان من الإمام
ولأنهم لا يثبتون شغور الزمان من السلطان الشرعي- وإن وجد العلماني وغير المسلم - وأن الولايات المنعقدة( الرئاسات) منعقدة على أن السيادة العليا والتشريع للقانون الوضعي وليس للشريعة، مما يبطل الغطاء الشرعي لها، ويعدم وجودها من الناحية الشرعية التطبيقية.
والدعوة لتطبيق الشريعة في غالب النظم السياسية السائدة في العالم الإسلامي، هو خروج على الشرعية الدستورية، بل هو زعزعة للسلام الوطني والأمن الاجتماعي-على حد وصفهم- وجريمة يعاقب عليها آلاف الدعاة، وينتهي بهم المصير للمنع والتضييق، أو السجن، والقتل.
ناهيك عن آلاف المعتقلين تfتهم الانضمام لتنظيمات وجماعات تدعوا لسيادة الشريعة، فإذا كان هذا الواقع السياسي والقانوني، فكيف ينقلب القائم عليه لأمير المؤمنين وولي أمر المسلمين طبقا لمفهوم الشريعة.
أثر الجدلية السياسية
ووقعت هذه الفئة وغالبيتها من سلفية الولاة (المدخلية) طبقا لفهمهم المعاند- ومن اتفق معهم -في عدة إشكاليات بسبب مخالفة هذه القاعدة.
1- تمادوا في وصفولي الأمر لدرجة باتت مضحكة، فنشر أحدهم في ميدان عام يافطة كتب عليها: نبايع أمير المؤمنين، فاستدعاه الأمن لنزعها بعد أن باتت مزحة، وخرج رئيس الدولة يؤكد أنها دولة عالمانية.
2- ولم يفرقوا بين الرئاسة أو أمارة البلاد كعقد يلزم الطاعة لمواطنيها، لكنه لا يضفي عليه الولاية الدينية،فدعوا لطاعته المطلقة (حتى وإن جلد ظهرك وأخذ مالك). ومارس الزني نصف ساعة على شاشات التلفاز(على حد وصف أحدهم)، رغم أنه من أثبتوا هذه اللفظة كحديث للنبي صلى الله عليه وسلم لم بقصدوا ذلك.
وبالرجوع لأهل العلم: فإن (وإن أخذ مالك، وضرب ظهرك)،أي بالحق بأن قضى بمالك لخصمك في حكومة قضائية، أو بتأويل، أو ضرب ظهرك في حد من حدود الله، أو في حق من حقوق الناس، وهذا ثابت عن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «يَا عُبَادَةَ»،قُلْتُ: لَبَّيْكَ، قَالَ: «اسْمَعْ وَأَطِعْ فِي عُسْرِكَ وَيُسْرِكَ، وَمَكْرَهِكَ، وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ، وَإِنْ أَكَلُوا مَالَكَ، وَضَرَبُوا ظَهْرَكَ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ مَعْصِيَةً لِلَّهِ بَوَاحًا» (تهذيب صحيح ابن حبان (1 - 3) علي بن نايف الشحود(صحيح)
فقوله: (إلا أن تكون معصية)،يدخل فيه بلا شك فيما إذا أكلوا ما له بالباطل، أو ضربوه ظلما وعدوانا (لأنه يدعو للشريعة) بل لو مارس الزنا جهارا نصف ساعه على التلفاز؛ فلا تجب طاعتهم يقينا، فلو أمروه أن يأخذ مال غيره ظلما أو يضربه ظلما لحرم عليه ذلك، فمن باب أولى حين يقع ذلك على نفسه، قال ابن حزم :"ونسألهم عمن غصب سلطانه الجائر الفاجر زوجته وابنته وابنه ليفسق بهم، أو ليفسق به بنفسه أهو في سعة من إسلام نفسه وامرأته وولده وابنته للفاحشة؟. أم فرض عليه أن يدفع من أراد ذلك منهم؟.
فإن قالوا فرض عليه إسلام نفسه وأهله أتوا بعظيمة لا يقولها مسلم.
وإن قالوا بل فرض عليه أن يمتنع من ذلك ويقاتل رجعوا إلى الحق ولزم ذلك كل مسلم في كل مسلم وفي المال كذلك".(الملل والنحل.135/4).
.
3- تناقض القوم تحريمهم للعمل السياسي في نظم أولياء أمرهم، بحجة أن الديموقراطية كفر، فحارت العقول بين نظم ديموقراطية وصفوها (بالكفر)، وولي أمر مسلم مطاع بلا نزاع (في نفس النظام)، فكيف تكون الديموقراطية والاشتراكية وغيرها من النظم العمل من خلالها محرم لعدم شرعيتها والقائمين عليها ولاة شرعيين، حلال لهم ممارسة السياسة، بل تطبق عليهم كافة النصوص الشرعية للطاعة بإطلاقاتها الساذجه؟
4- شطحت خيالاتهم فنظروا وصفا لولي أمر(أبدي) لا تمتد له سلطة أهل حل وعقد ولا يختار سواه طالما تغلب وحكم البلاد، لأن منصبه لاينازع فيه، مصرحين بذلك وقت أن كانت تجرى الانتخابات الرئاسية -الشكلية – في إحدى الدول،في درب لم يسلكه منازع لهم من فقهاء العصور القديمة ولا الحديثة، فأغلقوا باب العمل السياسي وأي باب للتغيير السلمي.
5- رفض التعددية الحزبية مطلقا، والمعارضة السياسية القانونية مطلقا-حتى لو أباحها ولي الأمر- بل والتأصيل لحرمانية تعدد الأحزاب في ظل الدولة الإسلامية-بالرغم من كون المسألة محدثه ومعاصرة- وعلى أساسها وسم كل المخالفين بمفردات: حزبي، متحزب، حزبية بغيضة...، مما حدى ذلك بأحد العلماء المعاصرين: د صلاح الصاوي، لتأليف كتاب التعددية السياسية في ظل الدولة الإسلامية، ليبين لهم مشروعيتها، علاوة على ضروريتها في الواقع المعاصر.
6- وتبعا لذلك وصفوا كل منتقد لسياسات دولهم ولو بالكلام: بالخارجي، المبتدع، الضال، ووو... رغم إباحة القوانين الداخلية ذلك النقد، وخالفوا جمهور العلماء بتكفير هؤلاء المعارضين، بل خالفوا سيدنا على رضي الله عنه لما سئل عن الخوارج: أكفار هم؟ فقال: من الكفر فروا.
واستحلوا دمائهم تبعا لذلك، كتنظير فكري سياسي وعقدي تبريري للأنظمة المستبدة لقتل كل معارض تحت هذه الدعوة، فوفروا لهم غطاء مشروعية لم يحلموا بها في يوم من الأيام.
وغاية من عارضوا هذه النظم إما دعوة لعودتها للشريعة، أو دفعا لظلمها وطغيانها وكفرها البواح المثبت ببراهين دامغه عندهم فيها من الله برهان.
حقيقة وصف الخوارج
وقد بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ حقيقة الموصفين بالخوارج فقال في مجموع الفتاوى: وَلَكِنَّ الْخَوَارِجَ دِينُهُمْ الْمُعَظَّمُ مُفَارَقَةُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَاسْتِحْلَالُ دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ. انتهى
فهم يفارقون جماعة المسلمين القائمين على تطبيق الشريعة ويستحلون دماءهم بناء على تكفيرهم (وهذا لم يحدث)، قال الشيخ الغنيمان في شرح فتح المجيد: فالخوارج سموا خوارج، لأنهم خرجوا عن الحق إلى الباطل، وخرجوا على أهل الحق، لأنهم أهل باطل، وهم في الواقع أناس جهلة أرادوا أن ينزلوا كتاب الله على مفاهيمهم القاصرة، فاقترحوا أن الناس قسمان فقط: بر تقي، أو فاجر شقي، ولا ثالث لهما، فصاروا يحكمون هذا الرأي الذي رأوه، فكل من وقع في ذنب، جعلوه كافرا. انتهى.
ولا يعقل أبدا أن من دعى للحق بناء عن فهم شامل للكتاب والسنة والواقع السياسي يصبح خارجيا ومن برر الباطل وتولية حتى الكافرين يصبح سنيا.
أثرالجدلية السلفية
فتحول تيه عدم التفرقة بين الانعدام الحسي والشرعي إلى البلادة الحسية، والدياثة السياسية، وتولدت نفوس مريضة، لا هم لها سوى (الجرح والتجريح) للخصوم ، و(التحسس والتجسس) و(العمالة تطوعا أو وكاله)، وجلسوا في منتدياتهم يفتخرون بتلك الخوارم بإنتاج طلبة العلم من العسسة والبصصة، متفاخرين بعمالتهم الأمنية واصفين إياها زورا بأنها اختيارات فقهية بل وقف كبير من دعاتهم يقول أنا أفتخر أني عميل لهم.
ربما هذه النقطة الصغيرة في بحر سيئات تبريرات (ربيع المدخلي واتباعه) هي نقطه في بحر تبريراتهم الفاسدة، والتي سنفرد لها مقالات أخرى إن شاء الله.
والمصيبة أن أيديهم امتدت لحمل السلاح والوقوف مع المنقلبين على أنظمة ارتضتها الشعوب، ورؤساء منتخبين، بصورة تجعلك تقف وتطرح تساؤلات: من أين لهم هذا الفهم؟ ومن يدفعهم لذلك؟ ومن ينسق خطواتهم فيجعلهم سيفا مسلطا على رقاب أهل العلم؟ وكيف تفتح لهم الأبواب في حين تغلق على دعاة العلم الحقيقين؟ ولماذا لايدرسون السياسة المعاصرة فيفهموا واقعهم؟ وكيف انعدم الحس والإحساس عندهم؟
تعليقات