حجم الخط: +
وقت القراءة: 5 دقائق/دقيقة (1072 كلمات/كلمة)

إمبراطورية الوهم الأخضر

file_00000000bf6c820b80b2022bd3c24737

 بينما تحبس أنفاسك وتكاد شرايينك تنفجر غضباً أو فرحاً مع ركلة كرة على عشب أخضر، هناك آلة إعلامية وتجارية ضخمة تركل وعيك كمشاهد، وتتلاعب بعاطفتك كقطع الشطرنج. المنظومة الحديثة لا تبحث عن الأحق، بل تصنع الأصنام التي تجلب الملايين، وتهيل التراب على مواهب لو نبتت في بقعة أخرى من الأرض لعبدت الجماهير عبقريتها الكروية.


الحقيقة الفجة التي يجب أن تواجه بها نفسك اليوم:
أنت لا تشاهد رياضة، أنت تستهلك منتجاً، والقرارات تُطبخ في الغرف المغلقة لا فوق المستطيل الأخضر.

إن ما تراه هو تطبيق حي لمنظومة تدوير الأموال، حيث تجاوزت القيمة السوقية لقطاع كرة القدم العالمي حاجز الـ 28 مليار دولار، مما حول اللعبة من نشاط إنساني إلى تجارة نفوذ مطلقة (1).

صناعة الأيقونة المشوهة

من يعرف هشام عبد الرسول؟ غزال الصعيد وجوهرة المنيا، هداف مصر في تصفيات مونديال 1990، الذي قاد المنتخب لإيطاليا قبل أن يُحرم من التواجد هناك بحادث سير.
ومن يذكر أحمد فاروق؟ مايسترو بلدية المحلة في جيلها الذهبي، الذي كان على رادار باريس سان جيرمان الفرنسي. وغيرهم الكثير ممن حُكم عليهم بالتهميش والنسيان لأنهم لم يرتدوا قمصان أندية القطبية والتسويق.

الإعلام قطبي؛ لا يرى الموهبة الخالصة، بل يرى القميص الذي يملك خلفه ملايين المستهلكين ليبيع من خلالهم الإعلانات. هذه المركزية التسويقية تخلق فجوة مرعبة، حيث يوجه الإعلام الرياضي أكثر من 85% من تغطيته لأندية النخبة الجماهيرية، متجاهلاً أندية الأقاليم التي تمثل خزاناً بشرياً للمواهب غير المكتشفة، فقط لأن القيمة الرأسمالية لتلك الأندية لا تسمح ببيع مساحات إعلانية مربحة لوكالات التسويق الضخمة.

خدعة المراوغة والتسويق:
صَدّروا لك أن رونالدينيو هو المبتكر الأول للمتعة، بينما النجم البرازيلي نفسه تعلم من النيجيري جاي جاي أوكوشا وزامله في باريس واعترف بتأثره به. لكن لماذا رونالدينيو في الواجهة؟ لأن البرازيل ماركة عالمية تبيع القمصان، وخلفها شركات رعاية عملاقة مثل نايكي التي وقعت معه عقوداً بمليارات الدولارات، بينما ابن نيجيريا لا يملك هذا الثقل الإعلاني في القارة السمراء التي يتم التعامل معها كمنطقة تصدير للمواد الخام البشرية لا كسوق استهلاكي رئيسي.
مأساة جورج وياه:
يقولون لك بفخر إنه الأفريقي الوحيد الفائز بالكرة الذهبية عام 1995، لكن الحقيقة المُرّة أنه كان يستحقها ثلاث مرات على الأقل بناءً على أرقامه الفردية وتأثيره في الملاعب الأوروبية. ولكن كيف تمنح الجائزة بانتظام لابن ليبيريا وهي دولة لا تمثل أي قوة شرائية في سوق الاستهلاك الرياضي؟
إن منح الجائزة للاعب ينتمي لبيئة اقتصادية ضعيفة يعطل ماكينة بيع حقوق البث والسلع الرياضية في الأسواق الغربية الكبرى.

المعايير المطاطية للفيفا
يحدثونك عن المعايير: كأس العالم، اليورو، دوري الأبطال، ثم يكسرونها بأقدامهم جهاراً نهاراً لتمرير البراند التجاري.
خذ مثلاً مهزلة عام 2010، حيث مُنحت الجائزة لميسي وهو لم يكن طرفاً حتى في نهائي كأس العالم، ويُظلم ويسلي شنايدر صاحب الثلاثية التاريخية مع إنتر ميلان ووصيف المونديال مع هولندا، ومعه تشافي وإنييستا أبطال العالم، لأن خروج ميسي بلا جائزة في ذلك التوقيت يعني خسارة مالية فادحة لشركات الملابس الرياضية والشركات الراعية التي بنيت حملاتها التسويقية السنوية بالكامل على صورته.

وكذلك مهزلة عام 2013، عندما تم تمديد فترة التصويت في واقعة غير مسبوقة في تاريخ الجائزة، ليفوز كريستيانو رونالدو بها على حساب فرانك ريبيري الذي حقق الأخضر واليابس مع بايرن ميونخ وفاز بخمسة ألقاب تاريخية، فقط لأن رونالدو سجل هاتريك في ملحق المونديال. هذا التمديد جاء لإنقاذ القيمة التسويقية للجائزة بعد أن هددت الجهات الراعية بمقاطعة الحفل إثر تصريحات رئيس الفيفا وقتها سيب بلاتر التي سخر فيها من رونالدو (2).

صالة القمار الكبرى
المسألة ليست وليدة اليوم، والطبخة ممتدة عبر التاريخ. كيف أقنعوا العالم أن هدف دييغو مارادونا بيده في مرمى إنجلترا بكأس العالم 1986 كان مجرد خطأ بشري لم يره الحكم؟ مارادونا بطول 1.65 متر، والحارس بيتر شيلتون بطول 1.85 متر، والكرة تمر بكامل أريحيتها أمام أعين حكم راية يرصد أدق تفاصيل التسلل. لكن خروج أرجنتين مارادونا في ذلك الوقت كان يعني مقتلاً تسويقياً للبطولة التي أرادها الرعاة أن تكون ملحمة درامية تاريخية لبيع حقوق البث الإذاعي والتلفزيوني لسنوات قادمة.

وفي كأس العالم للأندية 2006، تُسحب جائزة أفضل لاعب من محمد أبو تريكة وتُمنح لرونالدينيو لاعب برشلونة وقتها، فقط نزولاً عند رغبة وإملاءات الشركات الراعية للبطولة التي رفضت أن يوضع لاعب عربي من قارة أفريقيا في واجهة الحدث العالمي على حساب النجم التسويقي الأول في العالم حينها، رغم الفارق الشاسع في الأداء الفني المؤثر خلال مباريات البطولة.

واليوم، يتكرر المشهد في أفريقيا؛ حيث تتدخل شركتان أمريكيتان راعيتان للاتحاد الدولي والاتحاد الأفريقي للضغط من أجل إشراك الأهلي في دوري أبطال إفريقيا بجانب بيراميدز والزمالك، والتلويح بالانسحاب إن غاب، لأن غياب قميص معين يعني انهيار القيمة التسويقية وحقوق البث التي تُقدر بملايين الدولارات (3).
كين تصل الأمور إلى هذا الحد، فاعلم أن ما يُدار ليس بطولة رياضية، بل صالة قِمار كبرى، والجمهور هو وقودها الحارق.

الرياضة الغسيلية الحديثة
لم يعد الأمر مقتصراً على مبيعات القمصان، بل تحولت كرة القدم إلى أداة جيوسياسية ضخمة عبر ما يُعرف بمصطلح الرياضة الغسيلية، حيث تضخ كيانات دولية ضخمة استثمارات تتجاوز مليارات الدولارات لشراء أندية عريقة في الدوري الإنجليزي والفرنسي بهدف إعادة تشكيل الوعي الجمعي وتحسين الصورة الذهنية العامة (4).
المشجع هنا ليس إلا مفعولاً به، يتم توجيه مشاعره وانتماءاته لخدمة مصالح ورساميل لا ناقة له فيها ولا جمل.
اتركوا هذا العبث:أيها العقلاء، علامَ هذا الانغماس؟
هل ستستمر في تشجيع أوروبا بفرقها ومنتخباتها، وتتعصب للبرازيل والأرجنتين وتقول هي دي الكرة والمتعة؟
ميسي ورونالدو وغيرهم مجرد أوراق رابحة في جيوب الرعاة، فكيف يُسمح لهم بالخسارة أصلاً؟ هذا العبث والضجيج ينسحب بالكامل على مصر في خناقات الأهلي، والزمالك، وبيراميدز؛ معارك وهمية تُدار من أجل توجيه عاطفتك وأموالك نحو جيوب الكبار.
أن تجعل حياتك مرتهنة بدوريات لا تنتهي، وتغضب لأجل لاعبين لا يعرفون وجودك، وتشتم هذا وتدافع عن ذاك، وتكتب عشرات المنشورات يومياً في هذا المستنقع، فهذه خسارة مرعبة لوقتك وعقلك.
إن الدراسات النفسية الحديثة تؤكد أن التعصب الرياضي الأعمى يؤدي إلى ارتفاع مستويات هرمون الكورتيزول والتوتر المزمن، مما يؤثر سلباً على الإنتاجية الفردية والاستقرار النفسي للمشجع الذي لا يجني من هذا الصراخ أي عائد حقيقي (5).

العب مع أصحابك، مارس الرياضة بنفسك، غيّر نشاطك واستفد. أما الركض خلف شاشات تُدار بالريموت كنترول المالي، فهو الفراغ بعينه. لا تكن مجرد رقم في حساب أرباحهم.

الهامش والمراجع:
(1) تقرير شركة ديلويت السنوي لتمويل كرة القدم (Deloitte Annual Review of Football Finance)، القسم الخاص بالقيمة السوقية وحجم الإيرادات التجارية الكلية للاتحادات القارية.
(2) صحيفة الغارديان البريطانية (The Guardian)، تقرير كواليس أزمة تصريحات سيب بلاتر وتمديد التصويت التاريخي للكرة الذهبية في نوفمبر 2013 وتأثير الشركات الراعية.
(3) دراسة المركز الأفريقي للإدارة الرياضية (African Sports Management Review) حول القيمة التجارية لحقوق البث التلفزيوني للاتحاد الأفريقي لكرة القدم وارتباطها بنسب المشاهدة الجماهيرية لأندية القمة.
(4) بحث معهد الشؤون الدولية والاستراتيجية (IRIS) حول مفهوم الرياضة الغسيلية (Sportswashing) واستخدام الأندية الرياضية كأدوات نفوذ ناعمة في الاقتصاد السياسي العالمي.
(5) المجلة البريطانية لعلم النفس الرياضي (British Journal of Sports Psychology)، دراسة حول التأثيرات الفسيولوجية والنفسية للتعصب الكروي على سلوك المستهلكين والمشجعين.
×
اشترك في الموقع

اشترك في الموقع لتصلك إشعارات على بريدك الإلكتروني عن المدونات الجديدة في الموقع.

THE TRIVIALISATION OF SECURITY AND MILITARY AWAREN....
تسطيح الوعي الأمني والعسكري.. أبجديات استخباراتية ....
 

تعليقات

لا تعليق على هذه المشاركة بعد. كن أول من يعلق.