حجم الخط: +
وقت القراءة: 3 دقائق/دقيقة (593 كلمات/كلمة)

هندسة الإلهاء وصنم التسعين دقيقة

1782391942860

لم تنزل كرة القدم على الشعوب العربية والإسلامية بمرسوم سُلطوي، ولم تُفرض كواجب وطني أو التزام أيديولوجي قسري؛ فالشعوب لا تُساق إلى الحب بالإكراه، ولا تُجبر على الهتاف في المدرجات تحت وطأة التهديد.
هذا الشغف الجارف، الذي يكاد يتحول في بعض تجلياته إلى "دين علماني جديد" له طقوسه وولاءاته، تشكّل عبر مسارات طويلة معقدة من التفاعل الاجتماعي والتمدد الإعلامي.
إلا أن تحول هذه اللعبة من مجرد "ترفيه بريء" على هوامش اليومي، إلى "شاغل مركزي" يستأثر بحصة الأسد من الوعي الجمعي، يضعنا أمام معضلة فكرية وسوسيولوجية تتجاوز السطحية التي تفسر الظاهرة بنظرية المؤامرة المحضة، لتبحث في بنية "القابلية للاستغلال" لدى الجماهير نفسها.

صناعة "الميل الطوعي"

نشأت علاقة الشعوب بكرة القدم كاستجابة فطرية لمتطلبات الترفيه والتفريغ النفسي؛ فهي لعبة تمتاز بالبساطة، ولا تتطلب أدوات معقدة، وتوفر مساحة ديمقراطية يلتقي فيها الجميع على اختلاف طبقاتهم. هذا "الميل العفوي" استقبلته الآلة الإعلامية الحديثة والاستثمار الرياضي، فأعادت هندسته وتضخيمه.

لم يعد الإعلام ناقلًا للمباراة، بل أصبح "صانعاً للقيمة"، يضفي على الركلة والهدف أبعاداً ملحمية وتاريخية. تحولت العفوية الاجتماعية إلى "مؤسسة عاطفية ضخمة" تغذيها الشاشات والمنصات مدار الساعة، مما جعل الانتماء لنادٍ أو التعصب لمنتخب شكلاً من أشكال الهوية البديلة التي تعوض الجماهير عن إحباطات واقعية ومساحات مفقودة في الفضاء العام.

جدلية المستغِل والمستغَل: من يتحمل المسؤولية الأكبر؟
في النقاشات السائدة، غالباً ما يُلقى باللوم كاملاً على الجهات التي تستغل هذا الشغف الكروي—سواء كانت قوى سياسية تبحث عن مسكنات موضعية للأزمات، أو شركات عابرة للقارات تحول المشاعر إلى عوائد مالية. ورغم تفاهة هذا الاستغلال وانتهازيته، إلا أن القراءة العميقة للظاهرة تحتم علينا نقل مركز الثقل في المساءلة.
إن المسؤولية الأكبر لا تقع على عاتق من "يستغِل"، بل على من "يمنح هذا الاستغلال فرصة التأثير". هنا تبرز فلسفة "القابلية للإلهاء"؛ فالآلة الإعلامية أو السياسية لا تملك قدرة سحرية على اختراق العقول ما لم تجد أرضية خصبة ومستعدة للتنازل الطوعي عن وعيها. إن الجمهور، في كثير من الأحيان، يمارس نوعاً من "الهروب اللذيذ" من تعقيدات الواقع واستحقاقاته (كالتعليم، التنمية، والإصلاح الفكري) نحو عالم الكرة الافتراضي، حيث الانتصارات سهلة، والهزائم يمكن نسيانها مع صافرة المباراة التالية.

عندما يُؤمَّم الوعي بالمُتاح
تكمن الأزمة الحقيقية في إعادة تعريف الحدود الفاصلة بين "الترفيه المحدود" و "الوعي القائد".
الأصل في الرياضة أنها نشاط هامشي يُنعش الجسد والروح، ويوفر متعة مؤقتة تعين الإنسان على مشاق الحياة الجادة. لكن المعضلة المعاصرة تمثلت في عملية "إزاحة متعمدة لمركز الثقل في الوعي".
لقد تم إحلال "المتاح والمستسهل" (تفاصيل حياة اللاعبين، المناكفات الكروية، الإثارة الإعلامية) مكان "الجوهري والمصيري". وبدلاً من أن تكون الكرة فسحة ترفيهية مسيَّجة برصانة العقل، تمددت لتصبح هي "المعيار" الذي تُقاس به المواطنة، وتُبنى عليه الولاءات والبراءات، وتُهدر في سبيله طاقات ذهنية ونفسية كان يمكنها لو وُجّهت نحو البناء المعرفي أو المجتمعي أن تحدث فارقاً حقيقياً.

سيكولوجية الجماهير وعقدة "الانتصار البديل"
في المجتمعات العربية والإسلامية التي عانت تاريخياً من انكسارات متتالية وتراجع في مؤشرات النهوض الحضاري، تحولت كرة القدم إلى "حلبة للتعويض النفسي". المستطيل الأخضر غدا الساحة الوحيدة التي يمكن فيها تحقيق "انتصار قومي أو محلي" حاسم ومُعترف به دولياً في غضون تسعين دقيقة.
هذا الشحن العاطفي المفرط هو الذي يجعل من الاستغلال أمراً حتمياً وناجحاً؛ فالجهة المستغِلة لا تفعل أكثر من توجيه هذه الطاقة العاطفية الجاهزة والمتفجرة نحو المسار الذي يخدم مصالحها، مستغلة رغبة الجماهير العارمة في الشعور بالفخر، حتى لو كان فخراً عابراً ومصنوعاً من جلد منفوخ بالهواء.

استرداد الوعي
إن نقد الشغف الكروي المفرط ليس دعوة للمثالية الجافة، ولا تحريماً لمتعة مشروعة؛ بل هو دعوة لترشيد الوعي وإعادة الأمور إلى نصابها الطبيعي.
إن حماية المجتمعات من "الاستغلال الملهي" لا تبدأ بمحاربة كرة القدم أو منعها، بل تبدأ برفع كفاءة الوعي العام، وتحصين العقل الجمعي ليكون قادراً على فرز الأولويات. يجب أن تقتنع الجماهير بأن صناعة التاريخ، وبناء الحضارات، وتحقيق الكرامة الإنسانية، كلها أمور تحدث خارج خطوط الملعب، وأن تسعين دقيقة من المتعة يجب ألا تسرق عمراً كاملاً من اليقظة والمسؤولية.

×
Stay Informed

When you subscribe to the blog, we will send you an e-mail when there are new updates on the site so you wouldn't miss them.

غربة الروح وجسر العودة إلى الذات
 

تعليقات

لا تعليق على هذه المشاركة بعد. كن أول من يعلق.