هل السيسي خائف من محمد وليد؟
إن أشد ما يوجع القلوب ويصدم الضمير الإنساني ليس فقط أن يظلم الإنسان، بل أن يقع الظلم على من لا يملك من أسباب القوة والمنعة شيئًا؛ على شابٍّ غضّ الإهاب، في أوج صباه ورونق شبابه، تُعيقه جسده ملامحُ ضعفٍ حركيٍّ واضحةٍ للعيان لا تخطئها عينٌ ولا تحتاج إلى تقارير طبية لتثبتها.
إن حالة الطالب المصري محمد وليد، ابن التسعة عشر ربيعًا، المتهم في القضية رقم 1635 لسنة 2024 حصر أمن دولة عليا، تتعدى كونها مجرد رقم في سجلات القضايا اليومية.
إنها قصةُ وجعٍ حقيقيٍّ تجعل كل إنسان طبيعي يتساءل بذهول وألم: كيف يتحول طالبٌ يحتاج في حياته اليومية وأبسط تفاصيلها إلى من يعينه ويدعم خطواته، إلى خطورة أمنية داهمة تهدد أركان دولة مدججة بالسلاح والأجهزة والاستخبارات؟
كيف تحولت عين الرحمة والإنسانية إلى عدسة أمنية تراقب العجز الجسدي وكأنه غطاء لمؤامرة كونية؟ تتجلّى في ظاهرة التوسع في تطبيق قوانين مكافحة الإرهاب داخل الأنظمة السياسية المأزومة مفارقة تحولات العدالة الجنائية من وسيلة لحماية المجتمع إلى أداة لضبط المجال العام وترهيب الفكر.
وإن قراءة أبعاد هذه القضية تتجاوز الواقعة الفردية لتسلط الضوء على طبيعة العقلية الأمنية والهيكل الخائف داخل السلطة السياسية.
أولًا: التكييف القانوني وغياب الركن المادي للاتهام وجهت نيابة أمن الدولة العليا للطالب محمد وليد اتهامات خطيرة تنضوي تحت أحكام القانون رقم 94 لسنة 2015 بشأن مكافحة الإرهاب، وعلى رأسها "تأسيس وقيادة جماعة إرهابية أُسست على خلاف أحكام القانون"، إضافة إلى اتهامات تتصل بالانضمام والتمويل ونشر أخبار كاذبة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. بالنظر إلى المستقر القانوني والفقه الجنائي، يتطلب ركن "القيادة والإدارة" في الجرائم التنظيمية وجود هيكل تنظيمي مادي مراتب، وتوزيع للأدوار والمسؤوليات، وتراتبية إدارية، وشبكة اتصالات مادية أو سيبرانية، فضلاً عن وجود حد أدنى من القدرة المادية واللوجستية على التوجيه والسيطرة والمتابعة.
غير أن المطلع على أوراق القضية والواقع المادي المشهود يكتشف بوضوح افتقار التحقيقات إلى إثبات وجود هذه العناصر المادية والجسمانية؛ حيث اقتصرت المبررات الأمنية على النشاط الرقمي الفردي والتعبير السلمي عن التضامن الإنساني مع القضايا الإقليمية وعلى رأسها القضية الفلسطينية. إن إضفاء وصف "قائد جماعة" على منشورات رقمية أو جلسات نقاشية بين أصدقاء يعكس تفريغًا للمفاهيم القانونية من مضمونها المادي والواقعي.
ثانيًا: التوسع في الحبس الاحتياطي والتجاهل الإنساني تُبرز التحليلات الحقوقية الاستخدام المكثف والإفراط في توظيف أداة الحبس الاحتياطي في مصر، إذ تشير تقارير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية ومؤسسات حقوقية دولية إلى احتجاز عشرات الآلاف قيد الحبس الاحتياطي الممتد لسنوات دون إحالة جادية إلى المحاكمة.
وفي حالة الطالب محمد وليد، تضاعفت الأزمة الإنسانية والقانونية نتيجة بعدين أساسيين: البُعد الأول يتمثل في التجاهل التام للاشتراطات الخاصة بالرعاية الطبية والصحية والصحية النفسية لذوي الإعاقة داخل مراكز التأهيل والإصلاح، وهو ما يخالف نص المادة (81) من الدستور المصري لسنة 2014 التي تكفل التزام الدولة بحماية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وتوفير التسهيلات اللازمة لهم.
إن احتجاز شاب بظروف صحية خاصة في بيئة احتجاز غير مجهزة يمثل ضربًا من المعاملة القاسية والإنسانية الحاطة بالكرامة.
أما البُعد الثاني فيتمثل في المماطلة الإجرائية وتكرار تجديد الحبس عبر الجلسات النموذجية المقررة أمنيًا، مما يحول الحبس الاحتياطي من مجرد تدبير احترازي مؤقت لمنع التلاعب بالأدلة إلى عقوبة بحد ذاتها تُوقع على المتهم قبل صدور أي حكم قضائي ببت إدانته.
ثالثًا: دلالات الخوف الهيكلي لدى السلطة السياسية إن توظيف ترسانة أمنية وقضائية وقوانين استثنائية لمواجهة شاب جامعي من ذوي الهمم يعكس حالة عميقة من "الهشاشة الهيكلية" والخوف المركب داخل بنية السلطة السياسية.
ورغم امتلاك النظام الموارد العسكرية والأمنية والإعلامية التي تمكنه من احتكار القوة، إلا أن إدراج التعاطف المدني العفوي والنشاط الفردي المحدود ضمن خانة "الإرهاب والقيادة التنظيمية" يُفصح عن هواجس جادة تُسيطر على صانع القرار.
والتي من أبرزها: الخوف من فقدان السيطرة على الفضاء الرقمي، حيث أصبحت السلطة تنظر إلى كل تجمع شبابي أو منصة تواصل غير مسيطر عليها كمشروع تنظيم موازٍ وقنبلة موقوتة.
وهذا الخوف من اهتزاز الرواية الرسمية، إذ تخشى السلطة من تأثير الخطابات الفردية الأخلاقية والانفعالات الإنسانية الصادقة التي تكشف للجمهور بساطة المطالب وتناقض الممارسات الأمنية اليومية مع النصوص الدستورية والمواثيق الدولية التي تعهدت الدولة باحترامها.
المراجع [1] الجريدة الرسمية المصرية، القانون رقم 94 لسنة 2015 بشأن مكافحة الإرهاب، العدد 33 مكرر (أ)، الصادر في 15 أغسطس 2015.
[2] أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون العقوبات - القسم الخاص، دار النهضة العربية، القاهرة، 2018، ص 412-418.
[3] المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، تقرير عن ممارسات نيابة أمن الدولة العليا وتوسع الحبس الاحتياطي، القاهرة، 2023.
[4] دستور جمهورية مصر العربية، الصادر في 2014 وتعديلاته في 2019، المادة (81) المتعلقة بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.
اشترك في الموقع لتصلك إشعارات على بريدك الإلكتروني عن المدونات الجديدة في الموقع.
العربية
English
تعليقات