في مهب التحولات الكبرى
في لحظة تاريخية فارقة، هي الأكثر تعقيداً وجسامة منذ عقود، وبينما يعاد رسم موازين القوى العالمية فوق صفيح إقليمي ساخن، نجد أنفسنا أمام مفارقة مؤلمة. فالإقليم كله يغلي؛ من غزة الجريحة إلى طهران الطامحة، ومن مضائق البحر الأحمر التي تحولت إلى ساحة كسر إرادات، وصولاً إلى حدود الأناضول.
وفي قلب هذا الوميض، تنفجر الجبهات الداخلية بعبثية قاتلة. والسؤال الذي يصفع الوعي الجمعي: لماذا تختار دول المنطقة الانتحار الذاتي في اللحظة التي تتكثف فيها الاستقطابات الدولية حول رقابنا؟
أولاً: الشرارة.. حدودٌ ملغومة بفتيل الاستعمار
لم يكن التصعيد الأخير بين أفغانستان وباكستان، الذي تجلى في غارات جوية في ولايتي بكتيكا وننجرهار، مجرد حادث حدودي عابر، بل هو استدعاء لشياطين التاريخ. فالمزاعم الباكستانية باستهداف "طالبان باكستان" (TTP) قوبلت برد عسكري مباشر من حكومة كابول على طول خط ديورند [1].
هذا الخط الذي رسمه المشرط البريطاني عام 1893، لم يكن يوماً حداً طبيعياً، بل كان جرحاً غائراً في جسد القبائل البشتونية. واليوم، يتحول هذا الميراث الاستعماري إلى "برميل بارود" جاهز للانفجار عند أي احتكاك سياسي. إنها المعضلة البنيوية الكبرى: دولتان، جغرافيا متداخلة، شعب واحد، وعقيدة مشتركة.. ومع ذلك، تظل "أنانية الدولة القومية" وقصر نظر النخب الحاكمة أقوى من كل روابط الهوية والمصير.
ثانياً: التوقيت القاتل.. حين تُهدر الفرص في سوق النخاسة الدولي
الأخطر من الصراع ذاته هو "توقيته الجيوسياسي". فنحن نعيش مرحلة "السيولة الكبرى" حيث تُعاد هندسة نفوذ القوى العظمى في الشرق المتوسط، والبحر الأحمر، وجنوب آسيا.
بينما تتحدث إسرائيل صراحة عن ترتيبات أمنية جديدة تخدم توسعها، وتتحرك قوى صاعدة كالهند، بقيادة ناريندرا مودي، في مسار تقارب استراتيجي مع تل أبيب لإنشاء ممرات اقتصادية بديلة [2]، نجد العمق الإسلامي غارقاً في تصفية حسابات ضيقة.
باكستان بقوتها النووية التي تمثل درعاً رمزياً، وأفغانستان بموقعها الحاكم الذي يمثل قلب آسيا، ينزلقان نحو استنزاف متبادل في توقيت لا يملك فيه أحد رفاهية "الحروب الجانبية".
ثالثاً: من يخدم من؟.. استراتيجية "الاحتراق الذاتي"
عندما تنشغل الدول المتجاورة بحروب استنزاف حدودية، فإنها تقدم "خدمة مجانية" لمنافسيها عبر ثلاثة مسارات حتمية:
تبديد المقدرات: تآكل الموارد العسكرية والاقتصادية التي كان يجب أن تكون حائط صد ضد الأطماع الخارجية.
شرعنة التدخل: فتح الأبواب الموصدة أمام القوى الدولية للتدخل بحجة "الوساطة" أو "مكافحة الإرهاب" [3].
تفتيت التكتل: إجهاض أي محاولة لإنشاء قطب إقليمي مستقل قادر على فرض شروطه في اللعبة الدولية.
التاريخ لا يحابي الغافلين؛ فكل صراع بيني في منطقتنا لم ينتهِ بتعزيز السيادة، بل بفتح ثغرات ينفذ منها النفوذ الأجنبي ليعيد ترتيب البيت بما يخدم مصالحه لا مصالح أهله.
رابعاً: الإشكال الحقيقي.. غياب "البوصلة" والغرق في التفاصيل
الأزمة الحقيقية ليست في "متر" من الأرض أو "موقع" عسكري، بل في غياب الرؤية المشتركة. المنطقة لا تزال أسيرة عقلية "إطفاء الحرائق" بدلاً من "منع الاشتعال".
إسلام آباد ترى التهديد أمنياً مححضاً وتصدر أزماتها للخارج.
كابول ترى في السيادة خطاً أحمر وتواجه العزلة بالتصعيد.
والقوى الكبرى ترى في هذا الشقاق "فراغاً استراتيجياً" قابلاً للاستثمار والتوظيف [4].
والنتيجة هي صدام انتحاري بين أطراف يفترض أن مصالحها الوجودية تفرض عليها التكامل لا التناحر.
خامساً: في اللحظة الأخطر.. السياسة حسابات لا عواطف
إن ما يمر به العالم الإسلامي اليوم هو مرحلة "إعادة التشكيل الكبرى". الصراع مع إيران، ترتيبات الممرات المائية، الحضور الهندي المتزايد، والانخراط الأمريكي المتجدد.. كلها قطع في رقعة شطرنج واحدة.
في خضم هذا الصراع الوجودي، تبرز الحقيقة المرة: السياسة ليست شعارات عاطفية، بل هي حسابات مصالح باردة وجامدة. وأي صراع لا يحقق مكسباً استراتيجياً بعيد المدى هو مجرد "نزيف عبثي".
الخطر الحقيقي ليس في سقوط موقع عسكري هنا أو هناك، بل في أن نتحول نحن إلى "أدوات" لهدم حصوننا بأيدينا. عندما يشتعل البيت من الداخل، لا يحتاج الخصم المتربص إلى اقتحامه؛ يكفيه أن يجلس في مقاعد المتفرجين، يراقب المشهد بدم بارد، وينتظر لحظة "وراثة الرماد".
الهوامش والإشارات المرجعية (Sources)
[1] تاريخ وجغرافيا خط ديورند: لمراجعة تفاصيل النزاع التاريخي منذ عام 1893 وأثره على العلاقات الثنائية، انظر:
* CFR: The Durand Line - A British Legacy of Discord
[2] التحولات الجيوسياسية في آسيا: حول التقارب الهندي الإسرائيلي ومشروعات الممرات الاقتصادية (IMEC)، راجع:
* Foreign Policy: The New Geopolitics of South Asia
[3] ديناميكيات الأمن والإرهاب العابر للحدود: حول دور تنظيم "TTP" في توتير العلاقات، انظر دراسات: USIP: Pakistan-Afghanistan Border Dynamics and TTP
[4] الأثر الاستراتيجي والاقتصادي: حول تداعيات الصراع على أمن الطاقة وتجارة آسيا الوسطى، راجع:
* Brookings: Afghanistan's Impact on Regional Stability
تعليقات