تأتي الأعياد في تاريخ البشرية ليس لمجرد عدِّ الأيام وتداول السنين، بل لتُحدث في النفس الإنسانية تلك السكتة الشريفة التي تفصلها عن ضجيج الطين، وترفعها إلى علياء السماء.
وعيد الأضحى المبارك ليس مجرد بهجةٍ عابرة ترتديها الأجساد، بل هو "موسم تجديد الفطرة"، وهدم كبرياء المادة تحت أقدام الروح.
من أسرار النَّحر
لو كان الأضحى مجرد إراقة دمٍ تسيل به الشفار على التراب، لكان شأنًا من شؤون المادة العابرة، ولحُسب في تاريخ الغرائز لا في تاريخ الأرواح؛ ولكنه في لغة الأدب العالي ومنازع الروح الأسمى: ذبحٌ علنيّ لكل شهوةٍ إنسانية تتطاول على طُهر الفطرة، وقربانٌ يُقدَّم لإماتة "الأنا" الطاغية قبل كل شيء.
إن في هذا النسك "حكمةً بالغة" تتجاوز حدود العقل الإنساني؛ فالإنسان حين يرفع يديه بالتكبير مُستقبِلاً الأفق، لا يرفع مجرد كفين، بل يرفع عقله وقلبه ووجوده كله، ليعلن في بهجةٍ خاشعة أن كل ما في هذا الكون الفسيح من قوى، وجاه، ومتاع، إنما يصغر، ويتضاءل، وينمحي أمام جلال الله العليّ الكبير. هي صيحة التحرر الإنساني من رقّ الأشياء؛ فمن كبّر الله، استصغر الدنيا ومخاوفها.
وحين تُساق الأضحية في ذلك الصباح المشهود، لا يُساق إلى المذبح مجرد كائنٍ من لحمٍ ودم، بل يُساق معها شُحّ النفس البشريّة المتأصل، ويُقاد خلفها بخل القلوب المستبد، وأنانيتها التي طالما حجبت عنها رؤية الآخرين.
إن السكين التي تمرّ على الوريد، إنما تمرّ مجازاً لتقطع حبال التعلّق الدنيوي الأعمى، وتُحرر الروح من أسر الطين.
نحن في حقيقة الأمر لا نذبح لنأكل ونشبع الأجساد بالفاني، بل نذبح لنستلهم "السرّ العظيم" في تقديم المحبوب على رغبة النفس، ولنميت في دواخلنا طواغيت "الأثرة" والكبرياء، وليحيا فينا من جديد ذلك الإنسان الـمُعطي الذي يجد لذته في الحِرمان من أجل الآخرين، والإنسان الـمُحب الذي يرى الوجود بعين الرضا، والـمُواسي الذي يمسح بكفّه حزن البائسين.
إنه تحويلٌ ربانيّ للدم إلى مادةٍ للحياة الروحية؛ فما سال الدمُ إلا لتلين القلوب البالية، وتشرق الإنسانية بأبهى حُجُبها وأطهر معانيها.
إشراقة الروح في صباح الأضحى
ما أجمل صباح الأضحى حين تشرق الشمس في خِدرها النوراني، وكأنها لؤلؤةٌ مكنونة أُخرجت من غيابات الليل لتُغسل بماء الطهر ونور التكبيرات الهادرة!
في هذا الصباح المشهود، تخرج الأجساد إلى الميادين والدنيا وقد تجلببت بزينة ثيابها الجديدة، وتبخترت بمظاهر بهجتها؛ لكن العيون البصيرة تدرك أن الزينة الحقيقية ليست مما نسجته مصانع الغزل، بل هي تلك الرقة العلوية المنسكبة التي تصيب القلوب القاسية الفولاذية، فتجعلها تلين بعد قسوة، وتشفّ بعد كدورة.
إن العيد ليس مصافحةً بالأيدي تُمليها العادات، بل هو ميعادٌ تلتقي فيه الأرواح وتتعانق قبل أن تتشابك الأكف، فتمتلئ الفجاج والطرقات بابتساماتٍ عذبة نمت على الشفاه تلقائياً؛ ابتساماتٌ بريئة، ليست من صنع التكلف الاجتماعي ولا التملق البارد، بل هي فيضٌ طامح من الرضا الإلهي الذي استقر في سويداء الصدور، ففاض على الوجوه نضرةً وسروراً.
والعيد في جوهره العالي وحقيقته الغالية، ليس إلا معجزةً زمنية تمنح الإنسان فرصةً أخرى ليعود إلى طفولته الروحية الأولى، فيطرح عن كاهله أوزار الأيام، وينسى أحقاد الأمس وضغائنه التي أثقلت خطواته، ويقذف وراء ظهره هموم الغد ومخاوفه المعتمة.
فهي لحظةٌ خارج الزمن، يعيشها المرء بكليته وكأنه يُولد في هذه الدنيا من جديد؛ طاهراً من كدر المعاش، نقياً من شوائب الأرض، يرى الوجود بعين الطفل التي لا تعرف إلا الحب والدهشة والجمال.
نداء الحجيج
وفي خلفية هذا العيد المبارك، يتردد صدى وادي مكة؛ حيث الحجيج يرتدون الأبيض كأنهم يُبعثون من كفن الحياة الدنيا، يطوفون حول البيت كالفراش الواله حول النور.
هناك، في ذلك الفضاء الطهور، تتلاشى الفوارق الموهومة، وتذوب الألقاب الزائفة، ويستوي الملوك والصعاليك في مقام العبودية الخالصة.
هذا المشهد المهيب هو الذي يمنح عيدنا ذلك العمق الشجيّ؛ عمقاً يمتزج فيه الشوق بالحنين، والشجى بالسرور؛ شجيٌّ لأن نفوسنا تطير شوقاً لتلك الرحاب الطاهرة، ومفرحٌ لأننا ننتمي لأمةٍ حية، تعرف كيف تذوب فوارقها وتتوحد أرواحها خلف فكرةٍ واحدة، وإلهٍ واحد.
العيد الحقيقي
إن العيد الغالي، والعالي، لا يكمن في الموائد الممدودة، ولا في الحليّ المسرودة، بل في قلبٍ استطاع في هذا اليوم أن يغفر لظالمه، ويداً تمتد لتجفف دمعة يتيم، ونفساً شعرت بفقر غيرها فآثرت على نفسها.
إذا غابت هذه المعاني، أصبح العيد يوماً كبقية الأيام، تبدلت فيه الأثواب وبقيت النفوس على حالها. أما إذا استقرت، فإن الأضحى يغدو ربيعاً ممتداً في أرواحنا، نضحي فيه بكل دنية، لنرتقي إلى كل علياء.
تعليقات