قراءة في تناقضات عبد المنعم الشحات من خلال مقالين يحملان العنوان نفسه، تفصل بينهما سنوات من الضياع.
منذ الثورة المصرية في يناير 2011م وحتى اليوم، كانت الدعوة السلفية – التي يتصدر خطابها الآن عبد المنعم الشحات – واحدة من أكثر التيارات الإسلامية إثارة للجدل في مواقفها السياسية. من التحريم للمشاركة البرلمانية، إلى تأسيس حزب النور وخوض الانتخابات، إلى دعم إنقلاب يوليو 2013م وتبرير مجازره، وظل خطابها يتأرجح بين تبرير الماضي وصياغة مواقف الحاضر، في تناقض واضح مع ما كانت تعلنه في سنوات ما قبل الثورة.
مقال الشحات الأخير "لا تحزن – لا تشمت – لا تتعجل – لا تتوقف" المنشور يوم (7 أغسطس 2025)، وهو بنفس عنوان مقال قديم في 2010م بعد خسارة جماعة الإخوان في إنتخابات مجلس الشعب إبان حكم مبارك المخلوع.
ليس المقال الجديد مجرد نصائح بعد خسارة انتخابية، بل هو محاولة لإعادة رسم صورة تاريخية مزيفة، تدمج المتناقضات وتخفي التنازلات تحت لافتة "المصالح والمفاسد".
وفي هذه الكلمات سيتم كشف الثغرات الجوهرية في مقاله، وتقديم سرد واضح للحقائق، ليبقى دليلا لكل من يريد أن يفهم مسار الدعوة السلفية السياسي، بعيدا عن التجميل والانتقاء.
الموقف قبل يناير 2011م – التحريم لعدم توافر الشروط
قبل الثورة، كان خطاب الدعوة السلفية واضحًا: تحريم المشاركة في البرلمانات إذا كانت مشروطة بالإقرار بالباطل، مثل الديمقراطية والعلمانية والحريات المطلقة.
هذا الموقف تكرر على ألسنة مشايخهم، ومنهم الشحات نفسه، وأُسّس على أن البرلمان في النظام المصري جزء من منظومة تحكم بغير ما أنزل الله، وأن الدخول فيه يعني الإقرار بشرعية تلك المنظومة.
هذه القاعدة كانت – حسب خطابهم – ثابتة، لا تتغير إلا إذا زالت هذه الموانع. لكن ما جرى بعد الثورة لم يكن زوالا للموانع، بل تزايدت.
ثورة يناير 2011م – تبرير التحول
مع سقوط مبارك، لم تُزَل النصوص الدستورية المخالفة للشريعة، بل أضيفت إليها مواد تؤكد السيادة للشعب كمصدر للسلطات. ومع ذلك، قررت الدعوة السلفية خوض العمل السياسي عبر حزب النور، مبررة ذلك بخطر حذف المادة الثانية من الدستور.
المغالطة هنا:
المادة الثانية كانت موجودة في دستور 1971م، ولم تمنع سن قوانين مخالفة للشريعة.
الخطر المزعوم كان احتمالياً، بينما الانخراط في منظومة تحكم بغير الشريعة كان يقينياً.
حماية "النص" الدستوري على حساب "المضمون الشرعي" قلب لأولويات الشريعة.
هذا التحول لم يكن "تطبيق لما قلناه قبلها" كما يزعم الشحات، ويخدع به أتباع الحزب، بل نقض صريح للقاعدة التي بنوا عليها الموقف القديم، لأن الدستور زاد بعداً عن الشريعة أكثر من عهد مبارك البائد.
من شريك في الثورة إلى شريك في الانقلاب
في 2012م، تحالف حزب النور مع الإخوان في الانتخابات، وهو يعلم تمامًا فكرهم ومنهجهم. لم يكن هناك "اكتشاف متأخر" لقطبية الجماعة كما يلمّح الشحات، بل كانت الخلافات الفكرية معروفة، لكن المصلحة الانتخابية غلبت.
ثم جاءت 2013م، فانحاز الحزب علنًا إلى جانب الانقلاب العسكري، ووفّر له الغطاء الشرعي أمام القواعد السلفية، وشارك في خارطة الطريق، وبارك دستور 2014م الذي أفرغ المادة الثانية من أي أثر عملي.
هنا تحوّل خطاب "إخضاع السياسة للدين" إلى إخضاع الدين للسياسة، حين صار دور الدعوة السلفية حماية النظام لا حماية الشريعة.
الموازنة أم المداهنة؟
يقول الشحات إنهم لم يمارسوا المداهنة، بل أجروا "موازنة بين المصالح والمفاسد".
لكن:
تبرير فض اعتصام رابعة واعتقال المعارضين، واتهام الضحايا بالفتنة، لا يدخل في الموازنة الشرعية، بل في تبرير الظلم.
الصمت عن القوانين المخالفة للشريعة، والتغاضي عن اتفاقيات التطبيع، وغض الطرف عن القمع السياسي، ليس موازنة، بل انحياز للسلطة.
الدفاع المستمر عن النظام حتى في أشد جرائمه، مع الهجوم على التيارات الإسلامية الأخرى، هو تعريف المداهنة ذاته.
المظلومية الانتقائية
في مقاله، يهاجم الشحات من يشمت في خسارتهم الانتخابية، ويصف ذلك بأنه مخالف للشرع.
لكن تاريخه القريب مليء بالشماتة الضمنية والعلنية في الإخوان وأنصارهم بعد الانقلاب، وتبرير ما وقع بهم.
فإذا كان الشماتة في خصم سياسي اجتهد – في نظره – خطأً محرمة، فلماذا كان مباحًا عنده حين كان الضحية خصمًا لا حليفًا؟
توقف الدعوة رغم الشعار
يختم الشحات مقاله بنداء: "لا تتوقفوا عن الدعوة إلا عندما تتوقف قلوبكم عن النبض".
لكن الواقع يشهد أن الدعوة السلفية:
أوقفت كثيرًا من أنشطتها الدعوية المستقلة.
تحولت منابرها إلى منصات تبرير للسلطة.
انكمشت ساحتها الشعبية بعد أن فقدت ثقة قطاع واسع من الشباب.
الشعار بقي، لكن المضمون تلاشى، وحل محله خطاب مهادن، يحفظ للدعوة مكانها تحت مظلة السلطة، لا تحت مظلة الشريعة.
الخلاصة والدروس
من 2010 إلى 2025، انتقلت الدعوة السلفية من موقع الناقد للعمل البرلماني إلى شريك فيه، ومن معارضة النظام المستبد إلى حليف للسلطة العسكرية. كل ذلك جرى تحت لافتة "المصالح والمفاسد" و"الثبات على المبدأ"، بينما الواقع أن المبدأ تغيّر تبعًا للظروف السياسية، لا تبعًا للضوابط الشرعية.
الدرس الحقيقي:
لا تجعل الخوف من مفسدة محتملة ذريعة لارتكاب مفسدة محققة.
لا تُلبس التنازل ثوب "الاجتهاد".
لا تبع المبدأ مقابل مقعد أو منصب أو رضا السلطة.
الثبات على الحق يقتضي أحيانًا أن تخسر في الدنيا لتربح في الآخرة، لا أن تكسب في الدنيا وتخسر الدين.
بهذا الفهم، يصبح ما كتبه الشحات وثيقةً لإعادة قراءة تجربة الدعوة السلفية، لا لتبريرها، بل لاستخلاص العبر: أن الانخراط في لعبة السياسة بلا ضوابط شرعية صارمة، ينتهي غالبًا إلى أن تصبح جزءًا من أدوات الباطل، لا أداةً لإحقاق الحق.
تعليقات