حدٌّ فاصلٌ بين المحبةِ والعبوديةِ.. حسين رضا
وضعَ رسولُ اللهِ ﷺ حدّاً فاصلاً واضحاً يفصلُ بينَ عمقِ المحبةِ وعمقِ العبوديةِ، حدّاً يقولُ لهذا الجيلِ الكريمِ: إنَّ النبيَّ ﷺ عبدٌ يُتَّبعُ وليسَ معبوداً يُقصدُ، فخاطبَهمْ ﷺ قائلاً: "لا تُطرونِي كمَا أطرتِ النصارَى ابنَ مريمَ، إنما أنا عبدٌ، فقولوا: عبدُ اللهِ ورسولُهُ." رواه مسلم
لمْ يخرجْ هذا الكلامُ منْ رسولِ اللهِ في لحظةِ ضعفٍ يستجدي بها نصراً، بلْ خرجَ في أوجِ زمنِ التمكينِ، وقدْ كانَ حبُّه في القلوب آنذاكِ في ذروتهِ، إذْ يمكنُ للنفوسِ حينئذٍ أنْ تنزلقَ إلى الغلوِّ في شخصِهِ الكريمِ، فأرادَ ﷺ أنْ يضعَ ميزاناً لا يُكسرُ، وقانوناً لا يُخالَفُ منْ بعدِهِ، فحواهُ: محبةٌ بلا تأليهٍ، وتعظيمٌ بلا عبوديةٍ.
بهذا التوجيهِ الصريحِ تعلمَ الجيلُ الأولُ أنَّ أعظمَ ما يُقالُ في حقِّهِ ﷺ أنَّهُ عبدُ اللهِ، وأنَّ مقامَ العبوديةِ هوَ أشرفُ المقاماتِ وأسماها، وأنَّ كمالَ المرءِ لا يكونُ إلا بتمامِ الخضوعِ والعبوديةِ للهِ، فليستِ العبوديةُ نقصاً في القدرِ بلْ كمالاً فيهِ وعزّاً.
يقولُ أهلُ العلمِ: الإطراءُ هوَ مجاوزةُ الحدِّ في المدحِ والكذبِ فيهِ، وقدْ نهَى عنهُ ﷺ خوفاً منْ أنْ يُفضيَ ذلكَ بالأمةِ إلى ما أفضى بالنصارى منَ الغُلوِّ في عيسى حتى عبدوهُ منْ دونِ اللهِ، كما أنَّ منْ حكمتِهِ ﷺ أنْ مَنَعَ هذا الإطراءَ تواضعاً لربِّهِ، وإشفاقاً على أمتِهِ.
فيا صاحبي وأخي: ليسَ أشرفَ لي ولكَ منْ أنْ نقطعَ هذهِ الدنيا عبيداً للهِ، وأنْ يُقالَ يومَ مماتِنا: ماتَ عبدُ اللهِ فلانُ بنُ فلانٍ، وأنْ نقابلَ اللهَ في الآخرةِ فنقولَ لهُ: كنا عبيداً لكَ، إذا سألَنا: أينَ كنتمْ؟ وماذا فعلتمْ في دنياكمْ؟ وليسَ أدلَّ على العبوديةِ منْ أنْ يراكَ اللهُ في كلِّ موطنِ خيرٍ، وأنْ يفتقدَكَ في كلِّ موطنِ سوءٍ.
اشترك في الموقع لتصلك إشعارات على بريدك الإلكتروني عن المدونات الجديدة في الموقع.
العربية
English
تعليقات