البيئة القاتلة: لماذا احتجنا برشلونة كي نكتشف موهبة حمزة عبد الكريم؟!
كم من موهبةٍ قُتلت بسبب بيئة خانقة لم تحتضنها، أو نظام بائس لا يراعيها! هؤلاء الذين لا يقدمون الخيرَ، ولا يتركون الخير يسلك طريقه إلى الناس!
كم من إنسانٍ تعب في حياته، وقدَّم كل ما عنده كي يصلَ إلى ما يريد، ثم يُصْدَم بعد ذلك عندما يشاهد مَن هو أقل منه يُقَدَّم عليه؛ إما من أجل المحسوبيَّة، وإما من أجل دراهم معدودة!
وكم من عقل سهر الليالي الطوال في ابتکار آلة أو تطوير فكرة، فكان مصيرها أن تُقبر مع أخواتها في أدراج الإهمال، فلا ترى النور إلى يوم القيامة!
إن هذه البيئة القاتلة هي التي تدفن المواهب في مهدها، أو تدفع أصحابها دفعًا إلى تصدير قدراتهم إلى مجتمعات تُقدّر القيمة وتعرف كيف تستثمر في الإنسان.
تُقتل الموهبة لدينا في عالمنا العربي والإسلامي بسبب الروتين الممل المُسيطر على مؤسساتنا، والبيروقراطية المكبّلة في قطاعاتنا، وفي مناهجنا، وفي مناحي حياتنا كافة.
والذين يقتلون المواهب آثمون شرعًا وأخلاقيًا؛ لأنهم ظالمون، والظلم ظلمات يوم القيامة. جرمهم النكراء لم يقف عند حدود ضرر الأفراد فحسب، بل امتد ليعطل الأمة بأسرها ويحرم المجتمع من نفعٍ جليل.
ويا أيها القاتلون للمواهب: قاتلكم الله أنّى تؤفكون، ووالله لسوف تُسألون أمام الله عن دفن هذه الطاقات التي وهبها الخالق لعباده؛ فقد حرمتم أصحابها من الانطلاق، وحرمتم بلادكم من الانتفاع بها.
وفي مصر بالذات، مواهب وفرائد قد لا تجد لها نظيرًا في أي مكان آخر... ولكن أين المنظومة التي ترعاها؟
حمزة عبد الكريم: الجريمة والبرهان
تتجلى هذه الأزمة بكل قسوتها في الرياضة، وتحديدًا في قصة المهاجم الشاب حمزة عبد الكريم.
واليوم في التاسعة مساء، يلتقي الأهلي وبرشلونة في كأس «خوان جامبر» على ملعب «كامب نو»، في مباراة تحمل مفارقة كروية كاشفة:
حمزة، الذي خرج من قطاع ناشئي الأهلي دون أن يخوض مباراة رسمية واحدة مع الفريق الأول—لا في الدوري، ولا في إفريقيا، ولا في كأس مصر—يقف بالقميص الكتالوني أمام النادي الذي كان أحد أبنائه.
والمفارقة الأكبر أن حمزة لم يذهب ليكون مجرد اسم مُهمش في أكاديمية، بل أصبح جزءًا من حسابات المدرب «هانز فليك»؛ شارك أساسيًا في المباريات التحضيرية، وواصل التسجيل أمام أندية أوروبية مثل «بازل»، محرزًا 3 أهداف في فترة الإعداد، بعدما سارعت إدارة برشلونة بتفعيل خيار شرائه بعقد يمتد حتى عام 2029.
تضعنا هذه الواقعة أمام الحقيقة العارية: الموهبة هي هي، لم تتغير جيناتها في الطائرة المتجهة من القاهرة إلى إقليم كتالونيا. ما تغير هو «النظام».
لأن المنظومة المحلية تملك عينًا لا ترى الجواهر إلا إذا صُقلت في الخارج، وإدارة تستسهل دفن ابن النادي لتشتري بديله بـ «ملايين الدولارات»، ومدربًا يرتعد من الفشل فيُضحي بالشباب خوفًا على مقعده.
من «ميدو» إلى «حمزة»ربع قرن من الخلل الهيكلي
هذه الجريمة ليست وليدة اللحظة، بل هي امتداد لـ «سيستم» نظام فاسد يُعيد إنتاج نفسه، فإن السيسي هو الوجه الأقبح لمبارك، لكنه هو هو.
قبل حمزة بربع قرن، ظهر أحمد حسام «ميدو» في السابعة عشرة من عمره مع الزمالك. سجل واقتحم الأضواء، لكنه فهم سريعًا أن البقاء في هذه البيئة يعني الاحتراق البطيء، فخرج مبكرًا نحو «جينت» البلجيكي ليحرز 11 هدفًا في موسمه الأول، ومنه انطلق إلى «أياكس» وكبار أوروبا. ميدو اضطر لطرق الباب الأوروبي من محطة صغيرة ليحمي نفسه من مقبرة المواهب المحلية، بينما نجح حمزة في الدخول مباشرة من البوابة العريضة لبرشلونة.
تكرار الظاهرة عبر عقود يثبت أننا لا نملك مجرد أخطاء فردية، بل نعيش داخل منظومة تعادي النمو الطبيعي لكل صاحب فضل أو موهبة.
تشريح البيئة القاتلة: كيف تحترق المواهب؟
تدار المنظومة المحلية بعقلية لا تكتفي بعدم تقديم الخير، بل تقف سدًا منيعًا أمامه عبر أربعة محاور:
التقييم بالقطعة وثقافة العقاب:
يُطلب من الناشئ صاحب الـ17 عامًا أن يتصرف بنضج ابن الثلاثين. خطأ واحد في تمريرة يتحول إلى حكم إعدام: «مش قد الفانلة». السن الصغيرة في ثقافتنا ليست فرصة للتطوير، بل تهمة تُلاحق صاحبها.
المحسوبية والجاهزية المزيفة:
تُذبح المواهب الحقيقية لحساب العلاقات، أو الاستسهال بشرائك لاعبًا أجنبيًا مكلفًا لمجرد إرضاء الجماهير، بينما يُترك ابن النادي ليموت كرويًا على بنك الاحتياط.
غياب مصانع الصقل:
النظام يتغذى على المادة الخام دون أن يقدم لها شيئًا. لا توجد برامج لتطوير اتخاذ القرار، ولا مراكز للتحليل النفسي والبدني، ولا صبر على منحنى التطور الطبيعي.
ازدواجية الرؤية:
نرى الناشئ المحلي بمنطق "المتهم حتى تثبت براءته"، بينما نرى الأجنبي في السن نفسها باعتباره "مشروع نجم" يتوجب الصبر عليه وتحمل كوارثه.
التطوير مقابل الاستهلاك
تتلخص الفجوة بيننا وبين العالم الاحترافي في سؤال واحد:عقلية البيئة المحلية:
تسأل بخوف واستعجال: «ماذا سيقدم لي هذا اللاعب اليوم؟»عقلية البيئة الاحترافية:
تسأل باستثمار وتخطيط: «ماذا يمكن أن يصبح هذا اللاعب بعد ثلاث سنوات من الرعاية؟»
برشلونة لم يضم حمزة عبد الكريم باعتباره منتجًا تام الصنع، بل كـ «مشروع» قابل للصقل. منحوه البيئة الصالحة، وفروا له الحماية من الإعلام، صعدوا به تدريجيًا، وسُمح له بالخطأ والتعلم. أما نحن، فنطلب من البذرة أن تثمر في الصحراء، فإذا جفت، اتهمنا البذرة ورأينا أنفسنا برئاء!
الدرس الأخلاقي والإنساني
عندما يقف حمزة عبد الكريم الليلة بقميص برشلونة في «كامب نو» أمام الأهلي، فلن تكون المباراة مجرد 90 دقيقة كروية، بل ستكون وثيقة إدانة رمزية لكل مسؤول وكل نظام يقتل المواهب في مصر.
البيئة التي لا تحتضن أبناءها، ولا تفتح الأبواب للنابغين، ولا تتخلص من الروتين والمحسوبية، هي بيئة تختار الفناء بملء إرادتها.
المأساة ليست في أننا لا نملك المواهب؛ فمصر ولاّدة وعامرة بالفرائد في كل مجال. المأساة الحقيقية هي في تلك «البيئة القاتلة» التي تجبر مواهبنا على الهرب عبر البحر كي تجد من يحترم عقولها وقدراتها، أو ترغمهم على الموت كمادًا داخل الأدراج المغلقة.
اشترك في الموقع لتصلك إشعارات على بريدك الإلكتروني عن المدونات الجديدة في الموقع.
العربية
English
تعليقات