"القرن الخامس عشر الهجري / القرن الواحد والعشرون الميلادي"
"إن الأمة تمرض، ولكنها لا تموت"
هذه ليست عبارة تُردَّد فقط، بل هي حقيقةٌ راسخةٌ تتجلى في صفحات التاريخ، حين تنهض الشعوب رغم القسوة، وتصنع من المستحيل واقعًا ملموسًا. هذا المقال ليس مجرد سردٍ للأحداث، بل هو رحلةٌ عميقةٌ في أهم المحطات التي لم ترقَ لأن تكون مجرد أحداثٍ عابرة، بل صارت ملحمةً تاريخيةً تُلهم وتحرّك الهمم.
هذا سَردٌ لأجَلِّ مَحطّاتِ هذا القرنِ، نُلقي عندَها رِحالَ التأمُّل، ونَغتَرِفُ منها دُرَرَ العِبَر، ونستضيءُ بأنوارِها في دروبِ النهضةِ، علَّها تُوقِظُ في الأمةِ عزائمَ لا تَخبو، وتُحيي فيها رُوحًا لا تَموْت.
1. أحداث الحادي عشر من سبتمبر
(11 سبتمبر 2001م – 23 جمادى الآخرة 1422هـ)
في فجر يوم الثلاثاء الموافق 11 سبتمبر 2001م، في الساعة الثامنة والدقيقة الثانية والأربعين صباحًا، أقلعت رحلة الخطوط الجوية الأمريكية رقم 11 من مطار لوجان الدولي في بوسطن، وعلى متنها محمد عطا المصري ورفاقه الأربعة، متجهين إلى لوس أنجلوس. لم تمر سوى ثمانية عشر دقيقة حتى اقتحموا قمرة القيادة، محوّلين الطائرة المدنية إلى صاروخٍ طائرٍ يخترق الطابق التسعين من البرج الشمالي لمركز التجارة العالمي في مانهاتن عند الساعة 08:46. انفجرت خزانات الوقود، التي كانت سعتها تبلغ تسعين ألف لتر، وتحوّل البرج إلى مدفنٍ مؤقتٍ لقرابة ألف وثلاثمئة شخص.
بينما كانت الكاميرات تنقل صدمة المشهد الأول، وظنّ الكثيرون أن الحادث مجرد كارثة طيران، جاء المشهد الثاني عند الساعة 09:03 حين اخترقت طائرة يونايتد 175 البرج الجنوبي بطريقة مقصودة تمامًا، فأدرك العالم أنه يواجه عمليةً متزامنةً ومنظمة. بعد ثمانية وثلاثين دقيقة، اخترقت طائرة أمريكان 77 واجهة البنتاغون، وعند الساعة 10:03، تحطّمت طائرة يونايتد 93 في بنسلفانيا بعد أن اشتبك الركاب مع الخاطفين، فأنقذوا العاصمة واشنطن من ضربةٍ رابعةٍ كانت تستهدفها.
خلال ساعة واثنتين وخمسين دقيقة فقط، هبطت أسواق المال العالمية، وأُغلقت المجالات الجوية، وتجمّد العالم أمام شاشاته وهو يشاهد برجين يتهاويان كأوراق البردي في مشهدٍ سيبقى محفورًا في الذاكرة. سقط في ذلك اليوم 2996 قتيلًا، بينهم 343 من رجال الإطفاء و71 من رجال الشرطة، بالإضافة إلى آلاف المصابين بأمراض السرطان والربو جراء استنشاق الغبار السام الذي لفّ سماء مانهاتن لأسابيع. تبع ذلك إنشاء وزارة الأمن الداخلي، وسنّ قانون الوطنية، وشنّ حربي أفغانستان والعراق، وإنفاق أكثر من ثمانية تريليونات دولار في ما سُمّي «الحرب على الإرهاب». لكن الدرس الأعمق الذي استوعبه الجميع كان أن القوة العظمى يمكن أن تُصاب في قلبها، وأن الصدمة الكبرى قادرة على إعادة صياغة العالم بأكمله.
فليكن عبرةً للأمة:
ألا تستسلم للدهشة، وتعتبر كل هزيمة منطلقًا لترتيب الأولويات وبناء الذات.
ومع كون 11 سبتمبر زلزالًا عالميًّا قلب موازين القوى، فقد كشف أيضًا حاجة الأمة إلى تخطيط عميق وحساب دقيق لردود الأفعال. فالحدث الذي أراد منفذوه أن يكون ضربة قاصمة، استغله الغرب لإطلاق ما سُمِّي بـ"الحرب على الإرهاب"، وإعادة تشكيل المنطقة بما يخدم مصالحه، مع زيادة دعمه للأنظمة الاستبدادية أكثر فأكثر.
ومن أبرز سلبيات هذا الحدث:
1. غزو أفغانستان والعراق وسقوط ملايين الضحايا.
2. تشويه صورة المسلمين عالميًّا وصعود موجة الإسلاموفوبيا.
3. تعزيز صلاحيات أجهزة المخابرات وتوسيع الرقابة على المسلمين.
4. ضرب العمل الإسلامي والإغاثي وإغلاق مئات المؤسسات الإسلامية، وإدراج المئات على قوائم الإرهاب.
5. خسارة تجربة طالبان لعشرين عامًا تحت الاحتلال الأمريكي.
6. تشويه صورة المقاومة وربط أي تحرك مسلح بالإرهاب.
لقد أثبت الغرب بمهارة أنه يحوّل الأزمات إلى فرص، مما يؤكد حاجة الأمة إلى استراتيجية طويلة المدى بدل الاكتفاء بردود الأفعال العاطفية.
2. الربيع العربي (2010-2011م – 1431-1432هـ)
في السابعة والنصف من صباح يوم 17 ديسمبر 2010، أوقف شرطي تونسي عربة محمد البوعزيزي (26 عامًا) الذي كان يبيع الخضار، فاحتجّ، فصودرت بضاعته، فانهارت كرامته أمام الناس. لم يجد أمامه سبيلًا آخر، فسكب ليترًا من البنزين على جسده وأشعل النار أمام مقرّ الولاية في سيدي بوزيد. بعد ثلاثة أسابيع فارق الحياة، لكن شرارته كانت قد ولّدت عاصفةً لم تهدأ.
وفي 14 يناير 2011، هرب الرئيس زين العابدين بن علي بعد مظاهراتٍ مليونيةٍ عمت أرجاء البلاد، فتدفّقت الموجة إلى ميدان التحرير في القاهرة يوم 25 يناير، وسقط حسني مبارك في 11 فبراير، أي بعد 18 يوم فقط.
انتقلت الاحتجاجات إلى ساحة الشهداء في صنعاء، ثم إلى ساحة الخضراء في طرابلس، ثم إلى درعا في سوريا، فصار شعار «الشعب يريد إسقاط النظام» صدىً يتردّد من المحيط إلى الخليج.
سقطت أنظمة بقيت أربعة عقود، لكن الثمن كان باهظًا: قُتل في سوريا وحدها خلال السنوات الأولى أكثر من 120 ألفًا، وبلغ عدد القتلى الإجمالي في المنطقة نحو 180 ألفًا، مع نحو ستة ملايين نازح ولاجئ.
تدخّلت قوى إقليمية ودولية، فتحوّل الربيع إلى شتاءٍ في بعض البلدان، لكن الذاكرة بقيت: إرادة الشعوب لا تُكسر، والكرامة تستيقظ حتى إذا قيل إنها ماتت، والثورة الحقيقية هي التي تحمي نفسها من الانقلابات وتُرسي العدالة قبل أي شعار آخر.
3. تحرير أفغانستان (15 أغسطس 2021م – 7 محرم 1443هـ)
في التاسعة مساء الأحد 15 أغسطس 2021، دخل مقاتلو طالبان قصر الرئاسة في كابول بعد أن أقلعت آخر طائرة أمريكية من مطار حامد كرزاي، منهيةً احتلالًا دام عشرين عامًا.
كان المشهد دراميًا بامتياز: مروحياتٌ تشنّف في الأفق، ودبلوماسيون يُحرقون وثائقهم، وأفغانٌ يتدلّون من عجلات الطائرات في محاولةٍ يائسةٍ للهروب، فصار الانسحاب رمزًا لانهيار مشروعٍ غربيٍ ضخمٍ بكلفةٍ بلغت 2.3 تريليون دولار و2461 عسكريًا أمريكيًا وآلاف المدنيين الأفغان.
خلال عقدين، بُنيت قواعد جوية عملاقة، ودُرّبت قواتٌ تُعدّت مئات الآلاف، لكن كل ذلك تبخّر خلال أحد عشر يومًا فقط. العبرة: الصبر الاستراتيجي ليس ضعفًا، والمشاريع الكبرى تحتاج إلى شرعيةٍ داخليةٍ لا إلى دعمٍ خارجيٍ زائل، والشعوب التي تُهان تثبت حضورها حين تنتهي التبعية.
4. طوفان الأقصى (7 أكتوبر 2023م – 22 ربيع الأول 1445هـ)
عند السادسة والنصف فجر السبت 7 أكتوبر 2023م، اخترقت مجنزرات المقاومة الفلسطينية السياج الفولاذي المحيط بغلاف غزة، وداهمت مستوطنات «غلاف غزة» و«سديروت» و«نتيفوت»، فكانت أكبر عملية اختراقٍ منذ احتلال عام 1967م.
خلال ساعات، أُسرت مجموعاتٌ من الجنود، وأُغلق مطار بن غوريون، وعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة الإعلام العالمي بعد أن كادت أن تُنسى.
ردّت إسرائيل بقصفٍ عنيفٍ أودى حتى نهاية السنة بأكثر من 22 ألف شهيد، لكن الموجة الشعبية اجتاحت الشوارع من صنعاء إلى الجزائر، وعادت المقاطعة تُرفع في الأسواق، وعادت الجامعات تتظاهر، وعادت البرلمانات تناقش التطبيع.
والعبرة: القضية ليست قضية وطنٍ واحدٍ بل ضمير الأمة جمعاء، والتضامن ليس شعارًا بل فعلٌ يُقاس بالتضحية، والنصر يُولد من اللحظة التي يتجاوز فيها الشعب الخوف ويؤمن أن الحق لا يموت.
5. تحرير دمشق (8 ديسمبر 2024م – 6 جمادى الآخرة 1446هـ)
في الساعة الثالثة فجر 8 ديسمبر 2024، دخلت فصائل المعارضة إلى ساحة الأمويين بعد معارك استمرت 13 عامًا أودت بأكثر من 500 ألف قتيل و12 مليون نازح ولاجئ، ودُمّرت فيها مدنٌ بكاملها من حلب إلى حمص إلى الغوطة.
كان المشهد رمزيًا: مئات الآلاف يهتفون بحياةٍ جديدةٍ تحت قبة بني أمية، ورُفعت رايات الثورة التي لم تسقط رغم القصف الروسي والإيراني والكيماوي.
تبارت دولٌ عربيةٌ وغربيةٌ بالمشاركة في التطور «المنتظر»، وفُتحت أبواب التعاون لإعادة الإعمار، لكن التحدّي الأكبر هو بناء دولة العدالة والكرامة.
العبرة: الظلم مهما طال فمصيره الزوال، وبقاء شعبٍ تحت القمع ليس ضعفًا إذا بقي الأمل حيًّا، والانتصار لا يُقاس فقط باستعادة الأرض بل باستعادة الإنسان.
الربط بين المحطات: خارطة النهوض
إذا وضعنا هذه المحطات على خطٍ زمنيٍ واحد، نراها زلازل متتابعة: زلزلة القوة في مانهاتن، زلزلة الوعي في الربيع العربي، ثم ثمرات النضال والمقاومة في أفغانستان، والأقصى، ودمشق.
كل محطة كانت تُمهّد للأخرى، تُلهمها أو تُسرّعها، لتؤكد أن مسار الأمة ليس خطًا مستقيمًا، بل موجاتٌ عاتيةٌ تعلو أحيانًا وتنكسر أحيانًا، لكنها لا تتوقف أبدًا.
اصنع نصرًا في نفسك أولًا
نختم بهذا الجانب: ليس فقط ما يُنجز على الساحة السياسية أو الميدانية، بل ما يُصنع في القلوب.
لابد أن تنتصر داخليًا
بالإيمان بوعد الله الذي لا يخلف، والنية الصادقة والعمل الجاد، والصبر الذي لا يرى التراجع خيارًا، والوحدة التي تجعل الدم الواحد أقوى من الحدود، والأمل الذي لا ينقطع رغم طول الليل. فلكل ليلٍ فجر، ولكل ظلمٍ نهاية، ولكل احتلالٍ يومٌ يُفرَّج، ولكل أمةٍ تستيقظ من سباتها موعدٌ مع النصر إن هي أحيت الإيمان في قلوبها قبل أن تحيي الأرض من حولها.
تعليقات