كفُّ الأذى عن النَّاس عبادة
تتبدى في تفاصيل الحياة اليومية وتوازناتها الدقيقة حقيقة كبرى طالما غفلت عنها الأعين؛ وهي أن النجاة الإنسانية والروحية، بل وبناء المجتمعات وتماسُكها، لا تقوم فقط على كثرة الطاعات التعبدية المحضة، بل تستند بالدرجة الأولى إلى قاعدة أخلاقية راسخة تُعرف بـ "كف الأذى" (1).
وحين يتأمل المرء هذا المعنى، يطالعنا ما نُقل في كتاب "تنبيه الغافلين" للسمرقندي، عن الإمام يحيى بن معاذ -رحمه الله- حين رسم خطوطاً فاصلة لحظّ المؤمن من أخيه الإنسان، قائلًا:
"ليكنْ حظُّ المؤمن منك ثلاثاً: إن لم تنفعْه فلا تضررْه، وإن لم تُفرحه فلا تَغمُّه، وإن لم تمدحه فلا تذمَّه!" (2)
هذه الوصية البليغة تمثل النواة الصلبة لما يمكن اعتباره "الحد الأدنى الآمن" في منظومة العلاقات البشرية، وهو حدٌّ إن التزم به الناس لانحسرت النزاعات بنسبة هائلة، ولعاد للنفوس صفؤها وهدوؤها.
نفع متعدي
ليس الخير كله فيما تفعله، بل منه ما تتركه أيضًا: أن تملك لسانك حين تستطيع أن تجرح، وتستر حين تستطيع أن تفضح، وتعفو حين تستطيع أن تنتقم، وتصمت حين يكون الكلام فتنة، وألا تجعل أعراض الناس مادةً للحديث، ولا أخطاءهم وقودًا للتشهير واللمز (3).
ومن أرقى صور الأخلاق أن يكون الإنسان خفيفًا على الناس؛ لا يثقل قلوبهم بحضوره، ولا يترك وراءه جرحًا بكلمة، ولا يحملهم ضريبة غضبه ومزاجه. يختلف دون خصومة، ويغضب دون ظلم، ويعرف دون أن يفضح (4).
فالعبادة ليست دائمًا أن تضيف إلى رصيد الخير فعلًا جديدًا؛ أحيانًا تكون أن تمنع نفسك من أن تكون شرًّا زائدًا في حياة الآخرين (5).
وهذا لونٌ من الزهد الاجتماعي: أن تزهد في لذة التشفي، والانتصار للنفس، وتتخذ من كفّ الأذى عبادةً؛ فتريح وتستريح.
العجز الإنساني بين الحياد والتطاول
إن قراءة واعية لما بين السطور تطرح تساؤلاً جوهرياً حول طبيعة النفس البشرية حين تعجز عن بلوغ معارج الفضل العليا؛ فكيف تتعامل مع من هم أعلى منها منزلة أو أطهر طريقاً؟ هنا يتجلى التدرج البشري في مواقف عدة:
موقف العجز عن الحق:
إن لم تكن للإنسان قوة أو جرأة تجعله يصدح بالحق في وجوه الباطل، فليكن الحد الأدنى من سلامته الدينية والأخلاقية ألا يتحول إلى بوق يُصفق للباطل أو يُزيّنه للناس (6).
إن السكوت عن نصرة الحق قد يكون مبرراً لضعف الحال، أما الانحياز للباطل بالتصفيق والترويج فهو سقوط إضافي.
موقف الغيرة من النُّبل:
حين يرى المرء شخصاً يتصرف بنبل وشهامة وعجز هو عن مجاراة هذا السلوك الراقي لقصور في همّته، فإن السوية النفسية تقتضي الصمت والاحترام، لا أن تتحول الغيرة الكامنة إلى رغبة مريضة في "انتقاص" أهل النبل والتقليل من شأن أفعالهم الطيبة (7).
موقف المزاحمة في دروب الطاعة:
دروب الخير واسعة، فإذا قصرت النفس عن مزاحمة الطائعين في العبادة أو دروب البر، فالسلامة كل السلامة في ألا يتحول هذا القصور إلى "وقوع في أعراضهم" أو طعن في مقاصدهم. إن حراسة اللسان من أعراض الصالحين هي ميزان تقوى القلوب (8).
الانشغال بالخلق
يمتد هذا الفصام السلوكي في المجتمع إلى التدخل الفج في اختيارات الآخرين الشخصية وحرياتهم؛ فنجد من يعجز عن مجاراة الاستقامة والالتزام الظاهر –كالمحجبة التي اختارت طريق العفاف والالتزام بحجابها– فيعمد إلى تسفيه هذا الاختيار ووصفه بـ "التعقيد". وهو إسقاط نفسي واضح؛ فالعاجز عن الارتقاء لمرتبة الفعل الجميل يحاول هدمه معنوياً بالوصم والتنمر الفكري (9).
وعلى المستوى الأضيق، في بيئة العلاقات الزوجية والأسرية، تبرز آفة التدخل في الخصوصيات؛ حيث يعجز بعض الأزواج أو الأفراد عن إدارة بيوتهم بلغة الودّ والملاطفة والتعبير الصحي عن المشاعر، فإذا رأوا زوجاً يحسن دلال زوجته والرفق بها، سارعوا إلى اتهامه بـ "ضعف الشخصية". إنها آفة إسقاط المعايير الفاسدة على النماذج السليمة، محاولةً لتبرير جفاف المشاعر الشخصي (10).
ثنائية الرذيلة: ترك الصواب وذمّ فاعليه
تُوجّه الكلمات في النهاية لترسم ميزاناً حاسماً للأخلاق؛ إذ يكفي المرء شؤماً ورذيلةً ألا يوفق لفعل الصواب أو الإتيان بالفضيلة، لتنضم إليها الطامة الكبرى حين لا يقف عند حد العجز، بل يتجاوزه ليجمع إلى رذيلته رذيلة أخرى أشد خطراً: وهي "ذم فاعلي الصواب" (11).
حرب الأشرار أو العجزة على أهل الفضل والخير ليست وليدة الصدفة، بل هي محاولة مستماتة لخفض سقف المعايير المجتمعية حتى يتساوى الجميع في الوحل (12). وحين يعي الإنسان هذه اللعبة النفسية والاجتماعية، يدرك أن أثمن ما يقدّمه لنفسه ولعقيدته ولمجتمعه هو حفظ لسانه، وكفّ أذاه، وسلامة صدره، فمن وجد السلام في ترك الأذى فقد ظفر بخير الدارين.
منطقة الأمان، وسلامة المجتمعات
إن كفّ الأذى ليس مجرد فضيلة عابرة أو خيار شخصي يمكن التنازل عنه، بل هو ركيزة أساسية تقوم عليها استدامة السلام النفسي والمجتمعي (13). وحين يدرك المرء أن عجز الآخرين عن بلوغ دروب النبل أو الصواب لا يمنحهم قط حق الوصاية، ولا يبرر لهم الانتقاص أو التشنيع، تتضح المعالم الحقيقية للتقوى والوعي الأخلاقي. وحسب المرء شرفاً وسلامة ألا يجمع إلى رذيلة العجز عن فعل الصواب، رذيلة أخرى أقبح تتمثل في حرب أهله وذمّ فاعليه؛ فالبقاء في منطقة الأمان، وصيانة اللسان، وترك الخلق للخالق، هي رأس مال المسلم العاقل، وبها تستقيم الحياة وتطيب المجتمعات (14).
الهوامش والمراجع:
(1) محمد بن إسماعيل البخاري، صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، دار طوق النجاة، بيروت، 1422هـ، رقم الحديث: 10.
(2) نصر بن محمد بن أحمد السمرقندي، تنبيه الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء والمرسلين، دار ابن كثير، دمشق - بيروت، الطبعة الثالثة، 2000م، ص 184.
(3) أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، دار المعرفة، بيروت، 2004م، ج 3، ص 132-135 (باب آفات اللسان).
(4) ابن قيم الجوزية، مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، دار الكتاب العربي، بيروت، 1996م، ج 2، ص 310.
(5) مسلم بن الحجاج النيسابوري، صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان خصال الإيمان، دار إحياء التراث العربي، بيروت، رقم الحديث: 84 (وفيه حديث أبي ذر: "تكف شرك عن الناس فإنها صدقة منك على نفسك").
(6) ابن تيمية، الحسبة في الإسلام، دار الكتب العلمية، بيروت، 1985م، ص 42.
(7) ابن حبان، روضة العقلاء ونزهة الفضلاء، دار الكتب العلمية، بيروت، 1975م، ص 167 (في الذم للجسد والغيرة الفاسدة).
(8) ابن رجب الحنبلي، جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثاً من جوامع الكلم، دار السلام، القاهرة، 2004م، ص 288.
(9) علي السالوس، موسوعة القضايا الفقهية المعاصرة والاقتصاد الإسلامي، دار الثقافة، الدوحة، 2002م، ص 512.
(10) عبد الله ناصح علوان، تربية الأولاد في الإسلام، دار السلام، القاهرة، الطبعة السابعة والأربعون، 2012م، ج 2، ص 645.
(11) ابن حزم الأندلسي، مداواة النفوس وإصلاح الأخلاق، دار الآفاق الجديدة، بيروت، 1982م، ص 73.
(12) الشاطبي، الاعتصام، تحقيق: مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن عفان، السعودية، 1992م، ج 1، ص 195.
(13) العز بن عبد السلام، قواعد الأحكام في مصالح الأنام، دار الكتب العلمية، بيروت، 1991م، ج 1، ص 9.
(14) أبو سليمان الخطابي، العزلة، دار ابن حزم، بيروت، 1995م، ص 54-58.
اشترك في الموقع لتصلك إشعارات على بريدك الإلكتروني عن المدونات الجديدة في الموقع.
العربية
English
تعليقات