هناك حالة أشبه بـمتلازمة الظلم، هذه الحالة نحسُّها عندما نتكلم مع أحد اللذين يقيمون تحت طائلة الظلم، وخاصةً من المصريين. فعند الكلام عن فساد حكومتهم، أو حتى الظلم الواقع عليهم، أو نموذج للطغيان الديني أو الفكري أو حتى الدعوي، تجدهم يتنمرون عليك بأنك مُقيمٌ في الخارج وتتكلم، ومَن الذي جعلك تتكلم؟ وكيف تكلمت؟ ولعلَّك عميل، أنت إخوان، أنت باذنجان، أنت أنت أنت.
وربما يُعيّرونك أنك ممن هربت من الظلم، وقد يُلبِس عليك أحدهم ثوب أنك السبب في مذابح المعارضة أو الأزمة الاقتصادية أو الاجتماعية أو حتى تأخر سن الزواج. وربما يسألك أسئلة شخصية: كيف تعيش؟ ومع مَن؟ وبكم؟ ولماذا؟ ووو... وربما أسئلة دينية: كيف تعيش في ديار الكفر؟ وكيف تدعو للتوحيد؟ وما هو موقفك من البابا كرولس الثالث؟ ولماذا تركت اليهود يهاجرون إلى فلسطين؟ ثم يختمها باتهامات مثل أنك عميل للقاعدة أو داهش أو للواقف والنايم يا سي آي ليه.
هذه المتلازمة أمرٌ محيّرٌ فعلًا؛ وهي مما يسميه علماء النفس الاجتماعي "الشخصية المقهورة" (Oppressed Personality Pattern)، أو ما يتفرع عنها من مفاهيم مثل "الاضطهاد الداخلي – Internalised Oppression" و "العجز المُتعلَّم – Learned Helplessness" (5). وهي حالات تجعل المظلوم، بفعل القهر المُزمن، يتبنّى خطاب الظالم نفسه ويُوجّه عدوانَه لمن يُحاول نقد الظلم بدلًا من مواجهته هو.
1. إستراتيجية التعامل مع "الشخصية المقهورة" في ضوء علم النفس الإسلاميالمعضلة الكبرى ليست في رصد هذه الظاهرة فحسب، بل في كيفية التعامل مع أصحابها من غير أن يتحول الحوار معهم إلى ساحة صدام أو تبادل اتهامات. فالشخص الواقع تحت تأثير ما يسميه علماء النفس الاجتماعي "الشخصية المقهورة" (Oppressed Personality Pattern) (5) غالبًا ما يتفاعل بطريقة دفاعية حادة، لا لأنه خصمٌ للحقيقة أو مُبغضٌ للعدل، بل لأن أي كلام يتعلق بالظلم يُوقظ داخله جروحًا قديمة تشكّلت بفعل القهر المُزمن وتراكمات الخوف المستمر.
ولهذا نجد أن المواجهة المباشرة أو السخرية أو حتى وصفه بأنه "مريض نفسيًا" لا تزيد الأمر إلا اشتعالًا، لأنها تُمثّل ما يُعرف بـ "تهديد الذات/الفؤاد" في سياق يلامس الضعف البشري (6) وما ينتج عنه من عناد، وتَمسُّكٍ بخطاب السلطة، واشتدادٍ للعدوان على مَن يُخالفه أو يُشكّك في مُعتقداته.
ومن هنا جاءت الحيرة: كيف يمكن للإنسان أن يُحافظ على احترامه للحقيقة دون الدخول في معركة خاسرة؟ وكيف يُدار حوار مع مَن لا يستطيع نفسيًا تحمّل تبعات هذا الحوار؟ إن أسلم طرق التعامل، وفق الدراسات السلوكية، تقوم على تجنّب الجدل المباشر قدر الإمكان، والابتعاد عن التهكم، وعدم صدمه بحقيقة وضعه النفسي، مع نقل النقاش من مستوى الصراع الشخصي إلى مستوى عام غير مُهدِّد، ثم الانسحاب الهادئ إذا تحول الكلام إلى نمط عدواني مُتكرر. فالمشكلة هنا ليست "نقص منطق"، بل "فائض جراح"، وليست "أزمة وعي"، بل "تراكم خوف". ولهذا فإن التعامل مع هذه المتلازمة يحتاج إلى حكمة تُوازن بين قول الحق وصون النفس عن الانجرار إلى دوائر لا تُنتج إلا مزيدًا من الألم والصدام.
2. "العُروة الوُثقى" والسلفية المصرية: التخبط وتوظيف النقدأكبر نموذج على هذه المتلازمة هو واقعة الشيخ سمير مصطفى وسلسلة العروة الوثقى (1)، والتي ضربت مثالًا واضحًا على التخبط في الشخصية المصرية، وخاصة داخل السلفية البرهامية (2). فالسلسلة تحمل مفاهيم مُغايرة — وإن شئت قل مُغالية — لما هو سائد في خطابهم التقليدي.
فالرجل يتحدث عن أصل الدين والكفر بالطاغوت، ويرى صراحةً حُرمة العمل الانتخابي المسرحي في مصر، ويمتد ذلك عنده إلى تنزيل أحكام الكفر على طائفة الحكم في مصر من قضاء وشرطة وأمن دولة وجيش سلطوي. وبعيدًا عن الخلاف الفقهي، فقد كان لسلفية ياسر برهامي (2) ونقدهم المُتكرر لهذه السلسلة دورٌ كبيرٌ في انتشارها؛ إذ بدا أن الغرض من نشر مقاطع "التكفير بالنوع" — التي اقتطعوها — هو إحراج الشيخ أمام المحكمة التي يُعرَض عليها، فيكسب النظام أحد أمرين: إمّا مبررًا قويًا لسجنه أمام جمهور واسع ينتشر في العالم كله، أو دفعه إلى التراجع عن آرائه ليكسبوا عضوًا جديدًا في "جمعية الرفق بالطواغيت"، وبابًا يتدفق منه آلاف المؤيدين الجُدد للسلطة.
ورغم أني شخصيًا لا أحمل هذه الأفكار ولا أُؤيد طريقتها، إلا أن السحر انقلب على الساحر؛ فبدلًا من أن تتحقق المكاسب المتوقعة، حصلت السلسلة على انتشار أوسع وتأثير أكبر. فمِن الناس مَن أيّد طرحها كاملًا، ومِنهم مَن شكّك في أن بعض التقريرات قد أُضيفت بالذكاء الاصطناعي — وهو احتمال غير مُستبعد — ومِنهم مَن أعرض عن الخوض فيها أصلًا، ومِنهم مَن عاد لمعايرة سلفية ياسر برهامي بمواقفهم السابقة في تكفير النظام ورأسه، بل وتكفير جميع الحُكام، وهو الموقف الذي تراجعوا عنه بين يوم وليلة.
3. غياب المنهج العلمي والتحذير المُسيّسلقد سألتُ معظمهم: هل سمعتم هذه السلسلة؟ فكانت الإجابة المُجمَع عليها: لا. ثم سألتهم: هل راجعتم مواقفكم السابقة؟ فجاء الرد: حاشا لنا. ومع ذلك يتشبثون بمقاطع مُقتطَعة سمعوها من فلان وعلّان وترتان، يزعمون أنها تُثبت ما ذهبوا إليه، مُتناسين عمدًا أن الشيخ نفسه قدّم قبلها ضوابط واضحة؛ منها أن الأمر الذي يُحكم عليه لا بد أن يكون بيّنًا ظاهرًا، وأن هذا الباب لا يخوض فيه إلا أهل العلم المُتمكنون من أسماء الأحكام ومناطاتها، وأن غرضه من تلك التقريرات هو بيان أحكام الإسلام العامة التي تُخاطَب بها أعيان الناس، لا تنزيل الأحكام على الأفراد أو الخصوص. وهذا وحده يكشف خلل فهمهم وضيق بنائهم العلمي.
بل إن هذا التحذير من الشيخ سمير في أغلبه صادر عن مشايخ مُتّهمين — في أدبيات السلفية نفسها — بأنهم من أعوان الطواغيت، أو مطعون في عقيدتهم بكتب ودراسات سلفية تتهمهم بالتحريف والإرجاء. وهذا ما جعل كثيرًا من الشباب يُعرضون حتى عن سماع نقدهم؛ لأنهم رأوا فيه لونًا من الدافع السياسي أكثر من كونه منهجًا علميًا. وزاد الأمر تأثيرًا أن الشيخ مسجون ظلمًا، وأن صوته جاء — عند هؤلاء الشباب — مُعبّرًا عن حالة انسداد عام، وشغف داخلي بالبحث عن معنى وسط واقع خانق، مما جعلهم أكثر انحيازًا له، وأقل ثقة بمن يُحذّر منه.
4. جذور الأزمة: القهر السياسي وغياب المرجعيةكشفت هذه الأزمة أمرين رئيسيين:
أ. متلازمة القهر وعدم قبول الرأي المُخالف:الأمر الأول هو متلازمة القهر وعدم قبولنا لأي رأي يُخالف القائمين عليه، وعدم استعدادنا لمناقشته أصلًا، بل نكتفي باجتزائه وتشويهه بكل الطرق. إذ لم يسأل أحد نفسه: ما الذي دفع إلى ظهور هذه الأفكار أصلًا؟ وهل إغلاق باب التغيير، ومصادرة حرية العقيدة والتعبير لشعب تسعون وخمسة بالمئة منه مسلم، والتحكم في أوقافه، والتلاعب بمؤسساته الدينية لتكون ذيلًا لسلطة ديكتاتورية، سيُنتج لنا فكرًا وسطيًا هادئًا؟ أم أنه سيُفتح الباب واسعًا للآراء الفقهية الشديدة والتقريرات الصادمة؟ إن مناخ القهر السياسي وغياب المساحات الطبيعية للنقاش هو الذي يُهيّئ لظهور الخطابات الأكثر حِدة؛ لأن الصوت المُتزن لا يجد منصة، بينما الصوت الغاضب يجد طريقه إلى القلوب المجروحة التي تبحث عن معنى وعن تبرير آلامها.
ب. أزمة البحث العلمي وغياب المرجعية المُستقلة:الأمر الثاني هو أزمة البحث العلمي، بل أزمة الجهر بأن هذا رأي سلفي فعلًا، وأن التقريرات السلفية الموجودة في كتبهم — عبر القرون — كانت هي السبب في ظهور سيل من التيارات الفكرية. لا لوجود خلل في التراث، بل لعدم وجود هيئة دينية مستقلة يثق فيها الشباب، تكون مرجعية لهم، ولعدم وجود بيئة تسمح بمناقشة الأفكار بحرية وأمان.
في ظل انتشار سلفية "أُولى الخَمر" (9) من جهة، وسلفية التكفير المُطلق والتفجير المُطبَق (سلفية الغلاة (4)) من جهة أخرى، يبقى الشاب السلفي حائرًا: أين وجهته؟ وإلى مَن يلجأ؟ إن غياب المرجعية المستقلة، وغياب الحرية العلمية، وغياب البيئة التي تمنح الفكر مساحته الطبيعية، كلها جعلت الشباب يتخبطون بين طرفين مُتناقضين، فتحول "اختيار الرأي" من عملية علمية إلى حالة عاطفية أو رد فعل على واقع مُختنق.
5. الثوب السابري و"دين الملوك": تجارة الدين وفراغ القيادةلقد ناديتُ من قبل وما مِن مُجيب، في مقالي "شفرات الحركة السلفية القاطعة"، وتكلمتُ عن تخبط الحركة السلفية في بنائها الفكري، وخاصة في مسائل الواقع، ومنها حكم الطوائف الممتنعة عن الشريعة، وسلفية الولاة (3) والغُلاة (4) كليهما. في الوقت الذي تقف فيه الأكاديميات المُعتَبَرة صامتة، ممتنعة عن الإدلاء بدلو علمائها الثقات في هذه المسائل بصورة مستقلة وغير مُوجّهة من أجهزة أمنية ولا مخابراتية، يزداد الفراغ اتساعًا، وتكبر الحيرة.
مآل الإرجاء الحديث:المانع الحقيقي هو ثوب سابري، وهو المعنى الذي أشار إليه إبراهيم النخعي حين قال في وصف المرجئة: "تركوا هذا الدين أرقّ من الثوب السابري" (7). فالدين عندهم أصبح رقيقًا هشًّا، بعد أن كان متينًا عظيمًا. وهذا الثوب السابري الذي لبسته المرجئة الجُدد اليوم، حرّفوا النصوص، ونشروا الخذلان، وسطّروا دينًا يرضي الملوك. وقد لخّص النضر بن شُميل هذه الحقيقة في حضرة المأمون حين سأله عن الإرجاء فقال: "دينٌ يوافق الملوك، يُصيبون به من دنياهم، ويَنقصون به من دينهم" (6). وهؤلاء جعلوا للناس دينًا بلا حدود، فقام لهم أهلُ علم ثقات، فوشوا بهم، فكان مصيرهم سجون الطُغاة.
ومن رحم هذا الانحراف وقفل باب العلم الشرعي الأصيل (10) خرج شباب حُدثاء الأسنان، فتبنّوا التكفير في مقابل الانبطاح، والتفجير في مقابل إغلاق باب العلم. وهكذا تحولت الساحة الإسلامية إلى دوائر من التخبط، تغيب فيها المرجعية، وتتعدد فيها الأصوات. نسي الجميع أن الاستبداد والطغيان لا يُنتجان اعتدالًا ولا عدلًا، وأنهما الجذر الرئيسي لهذه الظواهر.
7. الخاتمة: تكرار المتلازمة وغياب الخيار الثالثعندما نجمع أطراف هذه الظاهرة كلها: من متلازمة القهر (5) التي تجعل المظلوم يُدافع عن ظالمه، إلى تخبط الساحة السلفية بين غُلُوٍّ يُكفّر كل شيء (سلفية الغلاة (4))، وانبطاح يُشرعن كل شيء (سلفية الولاة (3))، مرورًا بغياب المرجعية العلمية المستقلة، وصمت الأكاديميات، وانسداد الأفق السياسي والدعوي، سنجد أن النتيجة واحدة: جيل حائر، يبحث عن الحق فلا يجده، وعن العدل فلا يراه، وعن العلم فلا يصل إليه. ومع هذا كله تستمر الآلة نفسها في الدوران: تُشيطن مَن يرفع صوته، وتُخدّر مَن يصمت، وتجرّ الشباب جَرًّا إلى طرفَي الغلوّ أو الخنوع، بينما يغيب الخيار الثالث: خيار العلم الرصين، والعدل الصادق، والجرأة المسؤولة. وهكذا تتكرر متلازمة الظلم مرة بعد مرة، وتتراكم طبقات التناقض في وعي الناس، حتى يُصبح التشويش هو الأصل، والبيان هو الاستثناء.
المراجع والتعريفات| الرقم | المصطلح | التعريف/المصدر |
| (1) | الشيخ سمير مصطفى | داعية مصري معروف بخطاب الرقائق. سلسلة العروة الوثقى جاءت بطرح فقهي تقريري في مسائل الحكم والطواغيت. |
| (2) | السلفية السكندرية (مدرسة ياسر برهامي) | تيار يتبع مشايخ الإسكندرية، تبنّى المشاركة السياسية بعد 2011، وظهر عليه طابع سلفية الولاة في تبرير سياسات السلطة بعد 2013. |
| (3) | سلفية الولاة (المدخلية) | تيار يقدّم طاعة ولي الأمر ويرفض أي معارضة سياسية. |
| (4) | سلفية الغلاة | تُطلق على مَن يميلون إلى التكفير السريع، وتنزيل الأحكام على الأعيان والأنظمة. |
| (5) | "متلازمة القهر" | تُقابل مصطلحات نفسية مثل: Oppressed Personality Pattern و Internalised Oppression و Learned Helplessness. |
| (6) | "تهديد الذات/الفؤاد" | بديل إسلامي لمصطلح "تهديد الأنا"، حيث تُشير الذات أو الفؤاد إلى مركز الإدراك والتأثر الذي يحاول الدفاع عن استقراره أمام الضغط النفسي (إضافة). |
| (7) | "الثوب السابري" | تعبير ورد عن إبراهيم النخعي: "تركوا هذا الدين أرقّ من الثوب السابري" (السنة لابن أحمد: 618). تشبيه لرقّة الدين عند المرجئة. (توثيق حقيقي: كتاب السنة لعبد الله بن أحمد بن حنبل، رقم 618). |
| (8) | "تديين السلطة" | يقابل مصطلحات تراثية مثل "علماء السلاطين"، ويشير لاستخدام الخطاب الديني لتثبيت سلطة الحاكم. |
| (9) | "سلفية أولى الخمر" | وصف متداول يُطلق على خطاب دعوي ينشغل بالجزئيات الصغيرة ويصمت عن قضايا الظلم والعدل والحكم. |
| (10) | "قفل باب العلم الشرعي الأصيل" | يشير إلى منع العلماء المستقلين من التدريس والبحث، والسيطرة على المؤسسات الدينية، مما ولّد خطابات متشددة أو سلطوية. |
| (11) | "دين الملوك" | تعبير ورد عن النضر بن شميل حين قال للمأمون: "الإرجاء دين الملوك، يُصيبون به من دنياهم ويَنقصون به من دينهم" (البداية والنهاية لابن كثير، الجزء 10، ص 257). (توثيق حقيقي: البداية والنهاية لابن كثير). |