الحمد لله الذي أنعم على أمة محمد ﷺ بنعمة الأعياد، فجعلها فسحةً في دينه.
فتسبقها مواسمُ للمغفرة، وأوقاتٌ للطاعات والقربات إلى رب البريات، وجمع المسلمين فيها على شعائرَ واحدةٍ يعظّمون بها ربهم، ويتقربون إليه بوحدتهم واعتصامهم الذي يرضاه لهم؛ فقد قال رسول الله ﷺ: «إن الله يرضى لكم ثلاثاً: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم»[1].
ولا شك أن الفرح باجتماع المسلمين على رأيٍ واحد، ولو كان مرجوحاً عند بعض أهل العلم، هو في ذاته مصلحة شرعية عظيمة؛ إذ به تأتلف القلوب، وتقوى أواصر الأخوة بين المؤمنين، ويتوحد الصف على كلمة التوحيد، وتظهر شعيرة الجماعة التي أمر الله بها وبسطت الشريعة أحكامها لحمايتها.
وقد قرر أئمة الإسلام المتقدمون أن لزوم الجماعة والائتلاف، ونبذ الفرقة والاختلاف، أصل قطعي من أصول الدين الكبرى، وفي هذا السياق يبين الإمام الشافعي رحمه الله في كتابه "الرسالة" المقصد الأسمى من لزوم الجماعة فيقول: "وإذا كانت جماعتهم تعني لزوم جماعتهم في دارهم وعوام أحكامهم، فالزم جماعتهم، فإن فرقة الجماعة لا توجد في بلد؛ وإنما توجد بجهل من يجهل ومفارقة ما يعرف"[2].
وهذا التأصيل الباكر يوضح أن مراعاة موافقة جماعة المسلمين في أحكامهم العامة والظاهرة مقدمة على الأقوال والاجتهادات الانفرادية؛ فما دام هذا الاجتماع قائماً على قولٍ معتبرٍ قال به أهل العلم وله حظه من النظر والاجتهاد، فإن مراعاة مصلحة الألفة مما ينبغي أن يُنظر إليه بعين الاعتبار، لاسيما في المواسم والشعائر العامة التي يظهر فيها معنى وحدة الأمة واجتماعها أمام سائر الأمم.
جدلية الأهلة
ولكننا في كل عام، ومع إقبال مواسم الطاعات كعيد الفطر أو عيد الأضحى، نجد من يغفل عن هذا المقصد العظيم، فيعود الجدل من جديد حول الأهلة والمطالع، وتضيع فرحة العيد ووحدة الشعيرة في نقاشات لا تكاد تنتهي: هل العبرة برؤية كل بلد على حدة؟ أم بالرؤية العامة المشتركة بين البلاد؟ أم برؤية مكة المكرمة لارتباط المناسك والزمان والمكان بها؟ أم بالمذهب الفقهي الخاص الذي ينتسب إليه المرء ويريد فرضه على واقعه؟
حتى أصبح العامي حائراً بين الأقوال، بل وصل الأمر في بعض الأحيان إلى أن يكون الفرق بين بعض المسلمين في البلد الواحد يومين كاملين، لا مجرد اختلاف ليلة الرؤية، وهو أمر يبعث على التساؤل عن مدى موافقة هذا التباين الشديد للمقصد الأعظم الذي جاءت الشريعة بتقريره من اجتماع الكلمة وائتلاف القلوب.
ولا ريب أن الخلاف في هذه المسألة قديم بين أهل العلم، وله أسبابه وأدلته المعتبرة، غير أن الإنصاف يقتضي التفريق بين الخلاف الفقهي السائغ الذي وسع الأئمة، وبين التعصب للأقوال أو الأعراف الجغرافية التي لا تقوم على دليل ظاهر في عصر تلاشت فيه الحواجز والمسافات. وقد كان السلف يعظمون شأن اجتماع المسلمين في الشعائر الظاهرة تعظيماً يقدمونه على قناعاتهم الشخصية؛ حتى إن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه صلى خلف عثمان بن عفان رضي الله عنه بمنى أربع ركعات مع أنه كان يرى القصر، فلما سئل عن سبب صلاته خلفه أربعاً مع مخالفته لرأيه قال كلمة سارت بها الركبان: “الخلاف شر”[3].
وفي هذا المعنى يقول الإمام مالك بن أنس رحمه الله في تأصيل ترك الخلاف الفقهي في مواطن العبادات الظاهرة: "ليس الخلاف من شأن الدين، وما تفرق الناس إلا بترك الأثر ولزوم الجدال"[4].
الفقه والواقع
وربما يرد هنا تساؤل فقهي مقاصدي يستحق التأمل والبحث الطويل: هل يمكن تضييق دائرة هذا الخلاف، فيبقى أثره محصوراً في دخول شهر رمضان وخروجه، ولا يمتد إلى يوم عرفة والأعياد ما أمكن؟ ولعل مما يقوي هذا النظر أن النصوص الواردة في رمضان علقت الأحكام على رؤية الهلال علوقاً مباشراً بكل مكلف أو إقليم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين»[5].
وقد وقع الخلاف بين أهل العلم في معنى هذا اللفظ وتطبيقه، حتى ذهب طائفة من المحققين المعاصرين، ومنهم العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، إلى أن الحساب الفلكي القطعي يمكن أن يُستفاد منه في نفي الإثبات أو تأكيده عند تحقق اليقين به تيسيراً على الأمة ودفعاً للاضطراب، كما قرره في رسالته "أوائل الشهور العربية"[6]، وإن كان جمهور الفقهاء المتقدمين على خلاف ذلك لعدم انضباط الأدوات الفلكية في عصورهم.
كما أن مسألة رمضان مبناها أصلاً على ثبوت الهلال الإقليمي، ولذلك وقع فيها الخلاف المشهور بين الفقهاء في اعتبار اختلاف المطالع من عدمه، واستدل القائلون باعتبارها بحديث كريب المشهور عن ابن عباس رضي الله عنهما حين اختلفت رؤية الهلال بين أهل الشام وأهل المدينة، فقال: «لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه»[7].
خصوصية عرفة
أما يوم عرفة فإن المتأمل اللبيب يجد أن النصوص الشرعية لم تعلق الفضيلة فيه على مجرد "التاسع من ذي الحجة" بالحساب المجرد لكل بلد بمعزل عن الواقع، وإنما علقتها تعليقاً وصفياً على "يوم عرفة" بوصفه زمناً مرتبطاً بمكان محدد وبفعل مخصوص يقوم به الحجيج، فقال صلى الله عليه وسلم: «صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده»[8].
ويوم عرفة في اصطلاح الشرع وحقيقته هو اليوم الذي يقف فيه الحجاج بصعيد عرفة، وعرفة لا تكون إلا بهذا الموقف المشهود في مكة المكرمة.
ومن هنا ذهب كوكبة من أهل العلم إلى أن توحيد الصيام فيه على اليوم الذي يقف فيه الحجاج هو الأقرب لظاهر النص، والأظهر في تحقيق مقصد الاجتماع ووحدة الشعيرة. ويقوي هذا المعنى أن المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها يتوجهون بقلوبهم في ذلك اليوم إلى عرفات، ويتابعون أعظم مشهد من مشاهد الإسلام، فتجتمع دعوات الواقفين بعرفة مع دعوات الصائمين في سائر البلدان، ويشترك الجميع في تعظيم هذا الموسم العظيم واستحضار بركاته.
ويدعم هذا التوجه المقاصدي ما جاء في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون»[9]، وفي رواية أخرى: «الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون»[10]. وهذا الحديث يفسره الإمام الخطابي رحمه الله في "معالم السنن" تفسيراً مقاصدياً بليغاً فيقول: "معنى الحديث أن الخطأ موضوع عن الناس فيما كان سبيله الاجتهاد، فلو أن قوماً اجتهدوا فلم يروا الهلال إلا بعد الثلاثين، فلم يفطروا حتى استكملوا الصوم، ثم تبين أن الشهر كان تسعاً وعشرين، فإن صومهم وفطرهم ماضٍ، ولا عتب عليهم ولا إثم، وإنما هذا تخفيف من الله تعالى ورفق بعباده"[11].
فالشريعة إذن اعتبرت موافقة الجماعة هي الأصل الحاكم، ورفعت الحرج عن الأفراد والجماعات الصغرى إذا وافقت الهيئة العامة للمسلمين.
المقاصد الشرعية
ولا يُعلم -فيما نص عليه المتقدمون- حكم صريح عن الأئمة الأربعة في هذه الصورة المعاصرة بعينها؛ لأن بحثهم المكتوب في كتب الفروع كان منصباً على ثبوت الأهلة واختلاف المطالع جغرافياً نظراً لانقطاع الأخبار وصعوبة التواصل بين الأقاليم المتباعدة، لا على مسألة ربط صيام يوم عرفة بوقوف الحجاج مع سرعة انتقال الأخبار الفورية والصوت والصورة كما هو واقع اليوم.
إلا أن القواعد العامة للشريعة قد عظمت شأن الاجتماع ونهت عن التفرق بأبلغ الألفاظ، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46].
وقد لخص الإمام الجويني رحمه الله (إمام الحرمين) هذا الأصل المقاصدي الكبير في كتابه "غياث الأمم" مبيناً أن استقامة أحكام الأمة وشعائرها معلقة بوحدتها وعدم تفرق كلمتها، وأن تشتت الفتاوى والأحكام في الشعائر العظمى يؤدي إلى وهن الدين في نفوس العامة[12].
وليس المقصود من هذه النقول والوجوه الفقهية إلغاء الاجتهاد أو إبطال الخلاف السائغ في جزئيات المسائل، وإنما التنبيه إلى أن الشريعة لا تنظر إلى المسائل الجزئية بمعزل عن آثارها على كينونة الأمة ووحدتها وقوتها. بل إن الإمام الشاطبي رحمه الله جعل من مقاصد الشريعة العليا رفع أسباب التنازع وحفظ الألفة، وبيّن في "الموافقات" أن الشارع متشوف إلى حصول الألفة والاجتماع ورفع أسباب الفرقة والاختلاف[13].
ولذلك كان العلماء الربانيون ينظرون دائماً إلى مآلات الأقوال وآثارها في الناس، لا إلى مجرد قوة الدليل المجردة عن الواقع التطبيقي المشهود.
الوعي التربوي
وقد يغيب عن أذهاننا بُعدٌ تربوي وحضاري لا يقل أهمية عن البعد الفقهي المقاصدي، وهو أثر هذا الخلاف المتكرر في تشكيل وعي الأجيال الجديدة وفهمها لمعنى الأمة الواحدة. فالطفل الذي ينشأ اليوم في عصر التقنية يرى الحجيج مجتمعين في صعيد عرفة عبر البث المباشر العابر للقارات، ويسمع تكبيراتهم ودعواتهم ويهتز قلبه لمشهد تلاحمهم، ثم يفاجأ بأن المسلمين من حوله في بلده أو بيته مختلفون في تحديد يوم عرفة نفسه، فيصوم بعضهم اليوم وبعضهم غداً، مما يصعب عليه استيعاب هذا المشهد أو فهم أسبابه الفقهية الدقيقة، ويورث في نفسه شعوراً بالتشتت وجزئية العبادة، ويضعف في وعيه الهوية الجمعية للأمة الإسلامية.
وإذا كانت الشريعة قد راعت حتى الهيئات الظاهرة للمسلمين، فأمرت بالسكون والوقار عند الذهاب إلى الصلاة الجماعية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة والوقار»[14]، كل ذلك محافظةً على هيبة الجماعة وسكينتها وتناسق حركتها الظاهرة، فكيف بالشعائر العظمى والأعياد الكبرى التي تمثل الأمة كلها أمام نفسها وأمام العالم؟ وكيف لا يكون لاجتماع المسلمين على يوم عرفة واحد أثر بالغ في ترسيخ معنى الأمة الواحدة في نفوس الناشئة، وفي تقوية الانتماء الإسلامي لدى المسلمين الذين يعيشون في الأقليات والجاليات الغربية، حيث الحاجة إلى الوحدة أشد، وأثر التفرق أظهر وأكثر تشويشاً على الهوية الإسلامية الناشئة هناك؟
أمل الوحدة
ولا يخفى على بصير أن الأمة تعيش اليوم أزمة مرجعية جامعة، كما تعيش أزمة في توحيد الكلمة والرؤية في كثير من قضاياها الكبرى، ولذلك فإن كل خطوة تؤدي إلى تقليل مساحة الخلاف وتوسيع مساحة الاتفاق في العبادات الظاهرة تستحق النظر والدراسة العميقة من المجامع الفقهية المعاصرة وهيئات كبار العلماء.
ومن هنا يبرز السؤال الملح: هل آن الأوان لأن تتجه الأمة -من خلال مؤسساتها الفقهية الرسمية- إلى اعتماد يوم عرفة واحد يجتمع عليه المسلمون جميعاً، ما دام مكان الوقوف معلوماً مشهوداً لا يختلف فيه اثنان، وما دام النص قد علق الفضيلة باليوم المشهود وصفاً واسماً؟ إن هذا الطرح لا يراد به مصادرة الخلاف الفقهي الموروث ولا إلغاء الاجتهاد المعتبر في رؤية الأهلة، وإنما يراد به تفعيل فقه المآلات والنظر في المصلحة العليا للأمة، والبحث عن أوسع السبل تحقيقاً لمقصد الاجتماع، وأقربها إلى جمع القلوب، خاصة في زمن تلاشت فيه الأبعاد المكانية وأصبحت الأرض كلها كأنها قرية واحدة.
ومسك ختام هذا المعنى ما صدرنا به من قول النبي ﷺ في لزوم الجماعة والاعتصام، حيث جمع في نص واحد بين التوحيد والوحدة والاعتصام، وكأنما يقرر للأمة أن وحدة المسلمين في شعائرهم ليست مجرد مصلحة تنظيمية أو اجتماعية سياسية فحسب، بل هي عبادة جليلة وقربة عظيمة يتقرب بها العباد إلى رب الأرض والسماوات.
الهوامش والتوثيق
[1]: أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الأقضية، باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة، برقم (1715).
[2]: الشافعي، محمد بن إدريس، الرسالة، تحقيق: أحمد محمد شاكر، القاهرة: مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، ط1، 1358هـ، ص 503.
[3]: أخرجه أبو داود في سننه، كتاب المناسك، باب الصلاة بمنى، برقم (1960).
[4]: انظر: ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله، جامع بيان العلم وفضله، تحقيق: أبي الأشبال الزهيري، الدمام: دار ابن الجوزي، 1414هـ، جـ 2، ص 912.
[5]: أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصوم، باب قول النبي ﷺ: إذا رأيتم الهلال فصوموا، برقم (1909)، ومسلم في صحيحه، كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال، برقم (1081).
[6]: شاكر، أحمد محمد، رسالة "أوائل الشهور العربية: هل يجوز شرعاً إثباتها بالحساب الفلكي؟"، القاهرة: مكتبة السنة، ط1، 1358هـ، ص 7-15.
[7]: أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصيام، باب بيان أن لكل بلد رؤيتهم وأنهم إذا رأوا الهلال ببلد لا يثبت حكمه لما نأى عنهم، برقم (1087).
[8]: أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصيام، باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر وصوم يوم عرفة، برقم (1162).
[9]: أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الصيام، باب ما جاء في شهري عيد، برقم (1660)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (224).
[10]: أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الصوم، باب ما جاء في الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون، برقم (697)، وقال: "هذا حديث حسن غريب مفسر".
[11]: الخطابي، حمد بن محمد، معالم السنن، حلب: المطبعة العلمية، ط1، 1351هـ، جـ 2، ص 114.
[12]: انظر: الجويني، عبد الملك بن عبد الله، غياث الأمم في التياث الظلم، تحقيق: عبد العظيم الديب، الدوحة: وزارة الشؤون الإسلامية، ط2، 1400هـ، ص 210-215 (بالمعنى والتصرف السياقي).
[13]: الشاطبي، إبراهيم بن موسى، الموافقات في أصول الشريعة، تحقيق: مشهور بن حسن آل سلمان، الدمام: دار ابن القيم، ط1، 1424هـ، جـ 2، ص 289.
[14]: متفق عليه: أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأذان، باب المشي إلى الصلاة بالسكينة والوقار، برقم (636)، ومسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة، برقم (602).