في لحظة فارقة، وبحركة جريئة غير مسبوقة، اقتحم شباب مصريون مقر أمن الدولة بمنطقة المعصرة في حلوان، واحتجزوا عددًا من الضباط داخل القسم، احتجاجًا على السياسات المصرية الخانقة تجاه غزة، وعلى رأسها إغلاق معبر رفح ومنع دخول المساعدات الإنسانية. لم تكن هذه الحركة تمرّدًا عابرًا، بل كانت صرخة شعب يئس من الصمت، ورسالة مدوية إلى نظام أدار ظهره للعدالة والكرامة، واختار أن يكون شريكًا في حصار شعب يُباد على مرأى ومسمع من العالم.
هؤلاء الشبان لم يكونوا مسلحين بقوة نار، بل بمسدس صوت، وصوت ضمير حيّ. لم يحملوا شعارات حزبية أو رايات أيديولوجية، بل رفعوا شعار الإنسانية البسيطة: "افتحوا المعبر.. دعوا الطعام يمر إلى الجائعين." كانت مطالبهم واضحة، وأفعالهم أبلغ من كل بيانات التنديد.
غزة.. الجرح الذي نزف في القاهرة
منذ أشهر، وقطاع غزة يتعرض لحرب إبادة ممنهجة: قصف، تجويع، قطع للكهرباء والماء، منع للمساعدات، وتهجير قسري. والسلطة المصرية - بدل أن تكون الحاضن الطبيعي للفلسطينيين - تحولت إلى شريك في الخنق، تُغلق المعبر في وجوه الأطفال والنساء، وتعتقل شباب مصر الذين يجمعون التبرعات لغزة.
هذه ليست مبالغة.. لقد تم بالفعل اعتقال شباب مصريين لمجرد أنهم تفاعلوا مع معاناة إخوتهم. تحولت النخوة إلى تهمة، والدعم الإنساني إلى جريمة، والتضامن مع فلسطين إلى "خطر أمني"!
مسدس صوت.. يدوّي في وجه مسلسل الأكاذيب
ما فعله الشابان المصريان – أحمد عبد الوهاب ومحسن مصطفى – ليس فقط فعلًا رمزيًّا ضد الظلم، بل كان أيضًا طعنًا مباشرًا في سردية "هيبة الدولة" التي ضُخّت في عقول الأجيال الجديدة عبر مواسم كاملة من دراما ممولة ومسلسلات مدجّنة، صوّرت جهاز الأمن ككائن خارق، لا يُخترق.
لكن ها نحن أمام شابين في أوائل العشرينات، اقتحموا قسمًا يُقال إنه "محصّن"، ووصلوا إلى مكتب أمن الدولة في الطابق الرابع، واحتجزوا الضابط، ليكشفوا للمصريين، وللعالم أجمع أن كل تلك الهالة ليست إلا قشرة هشّة تغطي نظامًا ضعيفاً فقد كل صلة بشعبه.
غضبة شباب تكسر جدار الخوف
لا يجب النظر إلى هذا الحدث بمعزل عن السياق العام؛ بل هو امتداد لغضب داخلي يتنامى، ورسالة من الشارع إلى النظام: كفى صمتًا، كفى خنوعًا، كفى تجويعًا. إن الإصرار على قمع كل صوت حر، وشيطنة كل فعل نبيل، وتبرير كل تقصير تجاه غزة، هو طريق سريع نحو الانهيار.
فكما سقطت أنظمة ظنّت نفسها منيعة، قد يسقط هذا النظام إذا استمر في التنكّر للقيم، والخضوع للابتزاز الدولي، والتعامل مع غزة باعتبارها عبئًا لا شرفًا.
غزة ليست وحدها.. وصوت مصر لم يمت
في رسالتهما الأخيرة، قال الشابان: "يا أهل غزة سامحونا، كان نفسنا نتظاهر عند معبر رفح ونخليهم يفتحوه."
هذه الكلمات التي قيلت على عجل، قبل أن يختفيا، ويكون مصيرهم مجهولاً، تكفي لتثبت أن القلب المصري لا يزال نابضًا، وأنه مهما جرى تزييف الوعي، فلا يزال في الأمة بقية تغضب وتتحرك وتقاوم.
بين غزة والمعصرة.. معركة واحدة
إن الحصار المفروض على غزة لا يُنفذ فقط بصواريخ الاحتلال، بل يشارك فيه من يُغلق المعبر، ومن يمنع الدواء، ومن يعتقل الداعمين.
والمعركة التي خاضها شباب المعصرة هي جزء من معركة واحدة ضد الظلم، وضد الكذب، وضد آلة القمع التي تريد أن تقتل كل روح حرة.
وليس غريبًا أن تنكر الداخلية الواقعة، فحجم الفضيحة لا يُحتمل، والاعتراف بالضعف يُسقط آخر أوراق الهيبة. لكن ما وقع قد وقع، والتاريخ لا يكتبه الأقوياء دائمًا، بل من قالوا "لا" في وجه السيف، حتى لو كان معهم مجرد مسدس صوت.
افتحوا المعبر.. أو افتحوا الباب للغضب
يا من في أيديكم القرار، لا تراهنوا على صبر الشعوب، فصوت الجائع أقوى من رصاصكم، وصرخة طفل من غزة قد تزلزل عروشًا.
افتحوا معبر رفح، وأطلقوا سراح الأبرياء الذين تعج بهم السجون، وافتحوا قلوبكم للحق.. قبل أن يُفتح باب لا يُغلق.
إن العار لا يليق بمصر.. والمجد لا يصنعه إلا من آمن أن غزة ليست قضية "خارجية"، بل بوابة للكرامة الوطنية.
> "اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا، قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ." [الحديد: 17]
تعليقات