تحرير عبد الله المصرى على الأربعاء، 02 أيلول/سبتمبر 2026
فئة: مدونات عربية

لعبةُ جَهنّم حربٌ مُتعمَّدة

 ​ثمة عبارة تتكرر كلما اعترض أحد على صورة مشوهة للدين أو المتدينين في عمل درامي: «دي دراما.. والدراما انعكاس للواقع»، وهي عبارة تبدو للوهلة الأولى كأنها تنهي النقاش بحجة وجود الواقع ونقل الكاميرا له. لكن الإشكالية تبدأ تمامًا من هذا الافتراض الساذج؛ فمن قال إن الكاميرا مرآةٌ بريئة لا تختار ما تعكسه، ولا تنتقي الزاوية التي تصوّر منها، ولا تمنح بعض التفاصيل حجمًا يجاوز حجمها الحقيقي؟ إن الواقع شيءٌ قائم بذاته، والصورة التي يُعاد تشكيله بها عبر الشاشات شيءٌ آخر تمامًا.


​ولعل جريمة الطفل التي هزّت «شبرا الخيمة» تكشف جانبًا صارخًا من هذا التزييف؛ فبحسب التحقيقات، استُدرج طفل في الخامسة عشرة من عمره، ثم خُدّر وقُتل في جريمة ارتبطت بالتخطيط والتصوير والتربح عبر «الإنترنت المظلم»، وهو سلوك مجرد اجتمع فيه الخداع والقتل والتجارة بدم طفل بريء. لكن المفارقة تكمن في كيفية اختيار الدراما لتمثيل هذه البشاعة؛ فلو كان المقصد مجرد «نقل الواقع»، فلماذا يُستبدل الجاني الحقيقي بصورة شيخٍ يلقي الدروس في المسجد ويظهر أمام الناس في هيئة الرجل المتدين؟ ولماذا يُستدعى رجل الدين تحديدًا ليكون القناع الذي تُمرَّر من خلاله الجريمة ببدائل فنية تتجاهل حقيقة الواقعة؟

​القضية هنا ليست إنكارًا لإمكانية تستُر بعض المجرمين بالدين، ولا حجرًا على حق الدراما في تناول الانحرافات، بل هي تساؤلٌ مشروع عن «الانتقائية الفنية» ذاتها: لماذا المتدين؟ ولماذا المسجد؟ ولماذا الإصرار على تكرار هذا القالب تحديدًا حتى يبدو وكأنه نمطٌ اجتماعي أصيل لا حالة استثنائية عابرة؟
والإجابة عن هذه الأسئلة لا يجوز إهدارها بعبارة «مجرد دراما»؛ لأن الشاشة حين تختار وتكرر، فإنها لا تنقل الواقع كما خرج منها، بل تعيد صياغته لفرض دلالات جديدة على الوعي الجمعي.

الواقع يتغير على الشاشة
حين تقع جريمة في مدينة ما، فإنها تظل حادثةً محدودةً في زمانها ومكانها ونطاق من شهدوها، حتى تتلقفها الشاشة؛ فتنتقي منها ما تشاء، وتُعيد ترتيب أجزائها، وتُلبسها من الحوار والموسيقى والإضاءة والدوافع ما يخرج بها عن أصلها الواقعي إلى «روايةٍ للواقعة». فالدراما لا تكتفي بنقل الحدث، بل تفرض عليه تفسيرًا خاصًا؛ فقد تُحول المجرم إلى ضحيةٍ أو بطلٍ جذاب، وتُصور المتدين منافقًا، وتُخلط الخيانة بالحب، والانحراف بالتمرد. وهنا تتحول القضية من مجرد «تصويرٍ» مجرد إلى «تشكيلٍ للمعنى»، حيث لا يكتفي المتلقي برؤية المشهد، بل يبني من خلاله أحكامه الأخلاقية والاجتماعية حول المقبول والمرفوض والخير والشر، ويكفي الشاشة خطورةً أنها لا تأمر المشاهد بشيء، بل تجعله يألف ما لم يكن يتقبله من قبل.

​وهنا يكمن الأثر الأعمق للتكرار؛ فالإنسان يتعلم بالملاحظة والمحاكاة، وما يتكرر أمامه عبر الشاشات يدخل تدريجيًا في تكوين عالمه النفسي والثقافي، ليُحدث تحولًا ناعمًا في حساسيته الأخلاقية. فالجريمة التي يراها العشرات في الشارع، يتابع الملايين تفاصيلها وتبريراتها الدرامية عبر الشاشة، مما ينقل السلوك المنحرف من حيز «الوجود الاستثنائي» إلى حيز «الحضور المألوف». أخطَر ما تفعله الدراما ليس دفع المتلقي إلى التكسب من الجريمة أو تقليدها فورًا، بل تجريده تدريجيًا من النفور منها؛ فما كان صادمًا بالأمس يغدو مع التراكم عاديًا، لتتحول الشاشة من مجرد مرآةٍ تعكس الأحداث إلى أداةٍ تُعيد رسم الوعي الجمعي وتحديد معاييره.


سلطان الشاشة المعنوى
الإنسان يتعلم بالملاحظة والمحاكاة، لا بالتجربة المباشرة وحدها؛ وقد أظهرت التجارب العلمية ميل الأطفال إلى تقليد السلوك العدواني بمجرد مشاهدته. كما خلصت مراجعة بحثية موسعة في Pediatrics عام 2017م إلى ارتباط التعرض المتكرر للعنف الإعلامي بزيادة السلوكيات العدوانية وتراجع التعاطف والتبلد تجاه العنف.
وهذا لا يعني أن الشاشة تصنع مجرمًا من كل مشاهد، فالسلوك الإنساني تحكمه عوامل متعددة، لكن الحقيقة أن ما يتكرر أمام العين يترك أثرًا في النفس. وهنا تكمن خطورة الدراما؛ فهي لا تنقل الجريمة إلى ملايين المشاهدين فحسب، بل قد تجعل ما كان صادمًا مألوفًا، وما كان مستهجنًا قابلًا للتطبيع، عبر التكرار والتفاصيل والإثارة.
وتزداد الخطورة حين يتعلق الأمر بالمحرمات؛ فالشريعة لا تنظر إلى وقوع المنكر فحسب، بل إلى كيفية عرضه وأثر إشاعته، قال تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ" [النور: 19].
فالمقصود ليس أن كل مشاهد سيقلد ما يرى، وإنما أن تكرار المنكر وتقديمه للناس بوصفه مادة للترفيه قد يضعف النفور منه ويُفسد الحس الأخلاقي العام.

شيطنة المتدين
وليس كل ما يقع في المجتمع يسوغ إعادة نشره وتفصيله تحت ذريعة «نقل الحقيقة»؛ فثمة فرق شاسع، وبون واسع بين كشف الجريمة للتحذير منها وبين إعادة تقديمها في قالب مثير يستجلب التشويق والتعاطف. والعبرة ليست بواقعية القصة وحدها، بل بالرسالة التي تتركها في وعي المتلقي؛ إذ لا تبرأ طريقة العرض لمجرد أن الحدث حقيقي، وقد قال النبي ﷺ: «ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه».

وتظهر خطورة ذلك بوضوح حين يُستبدل الجاني الحقيقي بشخصية رجل دين، تُحيط به المواعظ والمسجد، فتتجاوز الصورة حدود الجريمة إلى ترسيخ نمط ذهني من قبيل: «مسجد في الواجهة، وجريمة في الداخل». ولا يعني هذا إنكار وجود من يتستر بالدين، وإنما رفض اختزال التدين في أسوأ نماذجه، والتساؤل عن سبب الإصرار على هذا الاختيار حين تكون صور أخرى أصدق وأبعد عن التنميط متاحة.

والأخطر أن تُعامل الدراما كأنها «دفتر تسجيل» للواقع، بينما هي في الحقيقة تعيد صياغة النسخة التي يتعرف الناس من خلالها على العالم؛ تنتقي الشخصيات والأحداث، وتمنحها الدوافع والمبررات، ثم تكررها حتى يتحول الاستثناء إلى صورة مألوفة في الوعي الجمعي. فالحياة لا تدخل الشاشة كما تخرج منها؛ بل تمر عبر الكاتب والمخرج والإنتاج والسوق، ولذلك تبقى المساءلة مشروعة: من يختار الصورة؟ ولماذا يكررها؟ وما الذي يريد أن يرسخه في مخيلة الملايين؟

الشاشة تصنع الواقع ولا تنقله
​ليست القضية في جوهرها معركةً ضد الفن كما يروق لبعضهم أن يصورها، ولا هي دعوةٌ لإخفاء الجرائم أو تزييف الواقع وصناعة مجتمعات مثالية لا وجود لها؛ بل هي مطالبةٌ بإدراك أبسط وأعمق: أن من يملك الشاشة يملك قدرةً هائلة على تشكيل الوعي.
الحرية الفنية لا تسقط المسؤولية الأخلاقية، والجرأة الحقيقية لا تكمن في كسر الحواجز لمجرد الإثارة، بل في استيعاب الكاتب لتبعات ما يتركه خلفه بعد الكسر. أما زرع الصور المشوهة في أذهان الأجيال، ثم التذرع بعبارة «هذه مجرد دراما» عند كل اعتراض، فهو ليس إلا تنصلًا من تبعات الفعل بحجة أنه مجرد تمثيل؛ والتمثيل قد يفوق الواقع خطورة، لأن الواقعة تفوت بمضيّها، أما الصورة الذهنية التي تصنعها الشاشة فتسكن المخيلة لسنوات.

​والمعركة الحقيقية لا تدور حول مشهد عابر أو حلقة أخيرة، بل حول المعنى الأخير الذي يترسب في الوعي بعد انقضاء المئات من الساعات الدرامية. وحين تكرر الشاشة قالبًا بعينه حتى يتسرب إلى الأذهان بوصفه «حقيقة»، ثم يتنصل صانعوها بادعاء «نحن لم نصنع الواقع بل نقلناه»، وجب أن نتوقف لنسأل: من قال إن الحرب على الوعي تبدأ دائمًا برصاصة؟ قد تبدأ الحكاية كلها بمشهد، وتتغذى بشخصية، وتكبر بفكرةٍ تتكرر حتى تألفها النفوس؛ وحين تستقر في العقول، لا تعود الدراما بحاجة إلى أن تصرح بشيء، فقد غرست كل شيء.
اترك تعليقاتك