تحرير عبد الله المصرى على السبت، 29 آب/أغسطس 2026
فئة: مدونات عربية

فتح مصر: فجرُ الإسلام وإشراقُ التاريخ


لم تكن مصر يومًا بلدًا عابرًا في تاريخ الأمم؛ فمنذ عرف الإنسان النيل، ومصر واقفة في قلب الجغرافيا والتاريخ، تحمل من أسباب القوة ما يجعلها مطمعًا للملوك، ومهوىً لأعين الفاتحين (1).
وحين أقبل الإسلام عليها، كانت مصر تحت سلطان الدولة البيزنطية، وقد أنهكتها الحروب التي دارت بين الروم والفرس، كما أثقلتها الصراعات الدينية التي مزقت أهلها، واشتد فيها النزاع بين السلطة الإمبراطورية والكنيسة القبطية (2).
فقد عاد الحكم البيزنطي إلى مصر بعد أن استعادها الإمبراطور هرقل من الفرس سنة 629م، ولم يلبث الصراع الديني أن عاد أشد مما كان؛ إذ سعت السلطة الإمبراطورية إلى فرض مذهبها على المصريين، واضطر البابا القبطي بنيامين إلى مغادرة الإسكندرية والاختفاء سنوات (3).
وهكذا كانت مصر، قبيل الفتح، بلادًا عظيمة الشأن، ولكنها كانت تحمل في صدرها آثار صراع طويل، وتعيش تحت سلطان إمبراطورية بعيدة عنها في الدين والسياسة والمصالح.
ثم جاء الإسلام.
لم يكن المسلمون يرون مصر مجرد أرض جديدة يضيفونها إلى سلطانهم، وإنما كانوا يحملون رسالة دين آمنوا أنه هداية للبشر، وكان فتح البلاد عندهم امتدادًا لحركة الدولة الإسلامية التي خرجت من المدينة تحمل عقيدة جديدة ونظامًا جديدًا للعالم (4).

نظرة القائد
كان عمرو بن العاص رضي الله عنه يعرف مصر قبل أن تطأها قدماه، فقد كانت له بها معرفة بأحوالها وموقعها، وكان يدرك ما لها من أهمية استراتيجية وسياسية واقتصادية (5). وبعد أن استقر أمر المسلمين في الشام، رأى أن فتح مصر امتداد طبيعي لفتح الشام، وأن السيطرة عليها تؤمّن ظهر المسلمين وتضيّق الخناق على الروم الذين انحسر سلطانهم إلى مصر. فعرض رأيه على خليفة المسلمين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فتردد عمر أولًا خشية التوغل في أرض لا يعرف المسلمون مداها، ثم أذن لعمرو بالمسير إليها (6).
وفي أواخر سنة 18هـ/639م خرج عمرو في جيش من المسلمين متجهًا إليها، ولم يكن جيشه في أول أمره بالعدد الذي توحي به ضخامة المهمة؛ فقد كان نحو ثلاثة آلاف وخمسمائة أو أربعة آلاف رجل بحسب الروايات، ثم أرسل إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه المدد بقيادة رجال من كبار الصحابة، حتى قويت شوكة الجيش (7).
وكان في المدد الزبير بن العوام، وعبادة بن الصامت، والمقداد بن عمرو، ومسلمة بن مخلد رضي الله عنهم (8).
وكان عمر رضي الله عنه يتابع الأمر بحذر؛ فما كانت مصر نزهة عسكرية، وإنما أرض واسعة، وراءها إمبراطورية عظيمة، وحصون وجيوش.

من العريش إلى بابليون
دخل الجيش الإسلامي أرض مصر من جهة العريش، ووصل إليها في عيد الأضحى يوم 10 ذو الحجَّة 18هـ المُوافق فيه 12 كانون الأوَّل (ديسمبر) 639م، ثم تقدم إلى مدينة الفرما ذات الحصون القوية، فدارت معركة، وسقطت المدينة بعد قتال (9).
ومدينة الفرما تقع في أقصى شمال شرق الدلتا بالقرب من بورسعيد ومحافظة شمال سيناء حالياً، وكانت تُعد بوابة مصر الشرقية.
ثم اتجه المسلمون غربًا إلى بلبيس، ومنها إلى منطقة عين شمس، حيث وقعت المعركة الكبرى معركة عين شمس أو (معركة هليوبوليس) بمسماها القديم، والتي انتهت بانتصار المسلمين سنة 640م/19هـ تقريبًا (10).
وكان كل انتصار يفتح بابًا إلى الذي بعده، حتى بلغ المسلمون حصن بابليون؛ ذلك الحصن المنيع الذي كان يحرس قلب مصر.

وهناك طال المقام.
لم تكن أسوار بابليون مما يسقط بضربة واحدة، فاشتد الحصار، واستمر أشهرًا، حتى جاء المدد الذي أرسله عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان في مقدمته الزبير بن العوام رضي الله عنه (11).
وتروي كتب الفتوح أن الزبير صعد سور الحصن، وأن المسلمين لما رأوه فوقه كبروا، فظن أهل الحصن أن المسلمين قد اقتحموه، واضطرب أمرهم، ثم انتهى الحصار إلى فتح بابليون (12).
وقد اختلفت الروايات في تفاصيل الواقعة، لكن الثابت أن سقوط بابليون كان المنعطف الكبير في فتح مصر؛ إذ انفتح بعده الطريق إلى شمال البلاد.
واعلم أنه ليس المقصود هنا أن نستقصي وقائع فتح مصر وتفاصيل معاركه وأيامه؛ لأن كل معركة تحتاج إلى وقت كي نستوعبها، وإنما نطلّ إطلالة موجزة على هذا الحدث العظيم، نستحضر بها ملامحه الكبرى، ونقف عند ما يكشف للقارئ عظمة الفتح وأثره في تاريخ مصر، دون إغراق في التفاصيل التي يطول بها المقام.

إلى الإسكندرية
كانت الإسكندرية يومئذٍ تاج مصر.
مدينة عظيمة، وميناء من أعظم موانئ البحر المتوسط، وقلعة بيزنطية كبرى.
فمضى إليها عمرو بن العاص، حتى حاصرها المسلمون، وبدأت مرحلة أخرى من الفتح (13).
وتذكر المصادر الإسلامية أخبارًا عن المفاوضات بين عمرو والمقوقس، وعن الوفود التي تبادلت الحديث، وكان من بينها عبادة بن الصامت رضي الله عنه (14).
وكان خطاب المسلمين واضحًا: دعوة إلى الإسلام، أو الدخول في عقد الذمة وأداء الجزية، أو القتال.
وهذا لم يكن خطابًا اخترعته الروايات اللاحقة؛ بل كان من طبيعة الفتح الإسلامي في ذلك العصر، حيث كان الإسلام يُعرض، فإن لم يُقبل، عُقد الأمان والذمة على شروطها، فإن اختير القتال وقع القتال (15).
وفي سنة 21هـ/642م تقريبًا دخل المسلمون الإسكندرية، وانحسر سلطان البيزنطيين عن معظم مصر.
وهنا ظن القارئ أن القصة انتهت.
لكن التاريخ لا يرضى بالاختصار المخل.

الإسكندرية تعود إلى الروم
في عهد عثمان بن عفان سنة 25هـ/645م حاول البيزنطيون استعادة مصر، وتمكنوا من العودة إلى الإسكندرية فترة من الزمن، استغلالاً لتولي خليفة جديد، وكذلك تغيير والي مصر (16).
وكان ذلك اختبارًا جديدًا للمسلمين.
فعاد عمرو بن العاص رضي الله عنه مرة أخرى، وجمع جيشه، وخرج إلى البيزنطيين، فقاتلهم حتى استرد الإسكندرية في نفس العام 25هـ/646م في معركة نقيوس (17).
ومن هنا استقر سلطان المسلمين على مصر، وانتهى آخر أمل بيزنطي جدي في استعادة البلاد.
وهذه واقعة لا يعلمها كثيرون جداً، ولا يصح حذفها من قصة الفتح؛ لأن الأمانة تقتضي أن نعرف أن فتح مصر لم يكن ضربة واحدة، وإنما كان جهادًا امتد سنوات، وسقطت فيه الحصون والمدن تباعًا، ثم جرت محاولة لاستعادة البلاد، فردها المسلمون وأعادوا فتح الإسكندرية.

وماذا عن المصريين؟
هنا تظهر عظمة التاريخ حين نتركه يتحدث بلا أساطير.
لم يكن المصريون جميعًا على قلب رجل واحد.
كان منهم من قاتل مع البيزنطيين، وكان منهم من صالح المسلمين، وكان منهم من وقف ينتظر نهاية الصراع (18).
وكان الأقباط قد عانوا في السنوات السابقة من الصراع الديني مع السلطة الإمبراطورية، حتى غاب باباهم بنيامين عن المشهد سنوات، لكن هذا لا يعني أن جميع المصريين كانوا ينتظرون المسلمين أو رحبوا بهم جميعًا (19).
لقد كان المشهد أكثر تعقيدًا.
والمسلم لا يحتاج إلى أن يزوّر التاريخ ليعتز بفتحه؛ فالحقيقة في ذاتها تكفي.
لم يقل الإسلام إن كل من فتح المسلمون أرضه كان محبًا لهم، ولم تقل سنة التاريخ إن كل شعب يدخل تحت حكم جديد يستقبله كله بالرضا.
كانت هناك مقاومة، وكانت هناك مصالح، وكانت هناك خصومات دينية وسياسية، وكانت هناك عهود وصلح (20).
وهكذا ينبغي أن نقرأ الفتح، ومن هنا تظهر عظمة الإسلام.
فتح الأرض ليس إكراهًا للقلوب
ومن أعظم ما ينبغي أن يفهمه القارئ أن فتح مصر عسكريًا وسياسيًا لم يكن معناه أن المصريين صاروا مسلمين في اليوم التالي.
بقي المسيحيون في مصر، وبقيت كنائسهم، واستمر وجودهم قرونًا طويلة (21).
أما الإسلام، فانتشر في الناس بالتدريج، حتى أصبحت مصر مع مرور القرون من أكبر بلاد الإسلام وأكثرها أثرًا في علومه وحضارته.
وهنا يظهر الفرق بين فتح البلاد وإسلام الشعوب.
فالفتح قد يقع في أعوام، أما التحول الحضاري والديني فقد يحتاج إلى أجيال وقرون (22).

الفسطاط.. وميلاد مصر الإسلامية
وبعد أن استقر الأمر للمسلمين، أقام عمرو بن العاص الفسطاط، لتكون مركز الحكم الجديد (23).
ومن هناك بدأت مصر تدخل طورًا جديدًا.
لم تُمحَ مصر القديمة، ولم يقتلع المصريون من أرضهم، ولم يتوقف النيل عن جريانه، ولكن الراية تبدلت، والدولة تبدلت، واللغة العربية أخذت طريقها إلى البلاد، والإسلام بدأ رحلته الطويلة في قلوب أهلها (24).
ثم مضت القرون.
وتعاقب على مصر خلفاء وولاة وسلاطين: الراشدون، ثم الأمويون، فالعباسيون، والطولونيون، والإخشيديون، والفاطميون، والأيوبيون، والمماليك، والعثمانيون، ثم جاءت مصر الحديثة (25).
لكن شيئًا عظيمًا كان قد بدأ عند بابليون، واكتمل عند الإسكندرية:
أن مصر دخلت عالم الإسلام.

ومنذ ذلك اليوم لم تكن مصر مجرد ولاية في دولة واسعة؛ بل أخذت شيئًا فشيئًا مكانها في قلب الحضارة الإسلامية، حتى أصبحت من أعظم مواطن العلم والقرآن والحديث والفقه واللغة، وصارت القاهرة بعد ذلك منارة يقصدها طلاب العلم من أقطار الأرض (26).
ولذلك فإن المسلم حين يقرأ قصة فتح مصر لا يقرأها كخبر عسكري قديم فحسب.
إنه يقرأ صفحة من تاريخ أمته.
يقرأ أسماء رجال حملوا الإسلام إلى أرض جديدة، وفي مقدمتهم عمرو بن العاص رضي الله عنه، ويقرأ مواقف الصحابة الذين خرجوا معه، ويقرأ قصة جيش قليل العدد وقف أمام إمبراطورية عظيمة، ثم مضى من العريش إلى الفرما، ومن بلبيس إلى عين شمس، ومن بابليون إلى الإسكندرية.
لم يكن الطريق مفروشًا بالورود.
كان فيه سيف وحصار ودماء ومفاوضات وصلح ونقض وعهد وقتال.
وهذا هو التاريخ الذي ينبغي أن نحكيه
ومنذ ذلك الحين بدأت مصر صفحة جديدة.
صفحة لم تمحُ ما قبلها من التاريخ، لكنها أضافت إليه تاريخًا آخر، حتى أصبحت مصر بعد قرون بلدًا من أعمدة الحضارة الإسلامية.
وهكذا يحق لنا، ونحن ننظر إلى ذلك اليوم البعيد، أن نقول:
كان فتح مصر يومًا مشرقًا في تاريخها؛
يوم دخلتها راية الإسلام، فبقيت مصر، وتغيّر وجه التاريخ.

الهوامش والمراجع:
(1) سيدة إسماعيل كاشف، مصر في فجر الإسلام: من الفتح العربي إلى قيام الدولة الطولونية، مطبعة لجنة البيان العربي، القاهرة، 1947م، ص 11-15.
(2) حسين مؤنس، فتح العرب لمصر، دار الرشاد، القاهرة، الطبعة الأولى، 1997م، ص 34-38.
(3) ساويرس بن المقفع، تاريخ بطاركة الكنيسة المصرية، تحقيق: عبد العزيز جمال الدين، مكتبة مدبولي، القاهرة، 2006م، ج 1، ص 98-102.
(4) عبد الرحمن بن عبد الحكم، فتوح مصر والمغرب، تحقيق: شارل توراي، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، 2000م، ص 53.
(5) ابن الأثير، الكامل في التاريخ، دار الكتب العلمية، بيروت، 1987م، ج 2، ص 559.
(6) محمد بن جرير الطبري، تاريخ الرسل والملوك، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، القاهرة، 1967م، ج 4، ص 104-106.
(7) ابن عبد الحكم، فتوح مصر والمغرب، مرجع سابق، ص 56.
(8) أحمد بن يحيى البلاذري، فتوح البلدان، دار ومكتبة الهلال، بيروت، 1988م، ص 212.
(9) أبو العباس القلقشندي، نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب، دار الكتب العلمية، بيروت، 1984م، ص 89؛ وانظر: الطبري، تاريخ الرسل والملوك، ج 4، ص 108.
(10) الفرد ج. بتلر، فتح العرب لمصر والمائة سنة الأخيرة من الحكم البيزنطي، ترجمة: محمد فريد أبو حديد، دار الكتب المصرية، القاهرة، 1990م، ص 225-230.
(11) ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، دار الفكر، بيروت، 1995م، ج 18، ص 445.
(12) ابن عبد الحكم، فتوح مصر والمغرب، مرجع سابق، ص 61-63.
(13) بتلر، فتح العرب لمصر، مرجع سابق، ص 280.
(14) البلاذري، فتوح البلدان، مرجع سابق، ص 215.
(15) ابن كثير، البداية والنهاية، تحقيق: علي شيري، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1988م، ج 7، ص 110.
(16) الطبري، تاريخ الرسل والملوك، مرجع سابق، ج 4، ص 241.
(17) ابن الأثير، الكامل في التاريخ، مرجع سابق، ج 3، ص 43.
(18) بتلر، فتح العرب لمصر، مرجع سابق، ص 190-195.
(19) ساويرس بن المقفع، تاريخ بطاركة الكنيسة المصرية، مرجع سابق، ج 1، ص 115.
(20) حسين مؤنس، فتح العرب لمصر، مرجع سابق، ص 142.
(21) حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1964م، ج 1، ص 231.
(22) السيوطي، حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، 1967م، ج 1، ص 83.
(23) ابن دقماق، الانتصار لواسطة عقد الإبصار، المكتبة الأزهرية للتراث، القاهرة، 1893م، ج 4، ص 5.
(24) جاك تاجر، أقباط ومسلمون منذ الفتح العربي إلى عام 1922م، كراسات القبطيات، القاهرة، 1951م، ص 45.
(25) أحمد فؤاد متولي، تاريخ مصر في العصر الإسلامي، دار الفكر العربي، القاهرة، 2002م، ص 77-80.
(26) السيوطي، حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة، مرجع سابق، ج 1، ص 105.

اترك تعليقاتك