خطورة الباب وضرورة ضبطه
يمثّل باب الأسماء والأحكام أحد أدق أبواب الاعتقاد وأشدها خطرًا، إذ لم يفتح على الأمة بابٌ من أبواب الفتنة كما فُتح عليها من هذا الباب حين غاب عنه الضبط والتحرير. وقد أدى الانحراف فيه، قديمًا وحديثًا، إلى نقيضين كلاهما شرّ مستطير: إما التفريط والإرجاء الذي يميّع حقائق الإيمان والكفر، وإما الشطط والغلو الذي يستبيح تكفير الأمة بتسلسلٍ باطل لا يضبطه أصل شرعي ولا تقيده ضوابط الشريعة.ومن أخطر ما تتكئ عليه ألسنة الغلاة المعاصرين شبهةٌ محكمة الصياغة، ركيكة الأصل: إسقاط قواعد كفر التكذيب الأصلي - وهو كفر من كذّب الرسول عن علم وعناد - على مسائل التأويل والشبهة التي تتفاوت فيها أفهام المجتهدين. ثم توليد قاعدة "من لم يُكفّر النافيَ فهو كافر" وتفعيلها على نحو متسلسل يُخرج به هؤلاء جماهير علماء الأمة وأئمتها من ربقة الإسلام، دون أن يفرّقوا بين تكفير القول وتكفير القائل، ولا بين موجب الحجة وموانع التنزيل.
وفي هذه الكلمات محاولة لتسليط الضوء على هذه المسألة الدقيقة على هدي منهج السلف الصالح، وكشفِ بطلان مسلك التسلسل التكفيري من خلال أصوله النظرية وشواهده التطبيقية من تاريخ الأمة.
الأصل الحاكم: التفريق بين تكفير المقالة وتكفير المعيّن
تتأسس منهجية أهل السنة والجماعة الراسخة في هذا الباب على أصل قطعي لا يجوز تجاوزه: التفريق بين "تكفير المقالة" و**"تكفير المعيّن"**.
فالمقالة قد تكون في ذاتها كفرًا بيّنًا، لمخالفتها الصريحة للنصوص المتواترة القطعية الدلالة والثبوت. لكن تنزيل هذا الحكم على شخصٍ بعينه ليس أمرًا آليًا يلي الحكم على القول تلقائيًا، بل يستلزم استيفاء شروطٍ وانتفاء موانع، أهمها:
ثبوت قيام الحجة الرسالية على المعيّن بالطريق الذي يُزيل عذره.
انتفاء الجهل بحيث يكون عالمًا بمخالفة قوله للشرع.
انتفاء التأويل السائغ الذي يحمل صاحبه على القول ظنًا منه أنه موافق للحق.
انتفاء الإكراه الذي قد يحمل الإنسان على قول لا يعتقده.
ومن هذا الأصل المحكم يتفرّع الحكم في قاعدة "من لم يُكفّر الكافر فهو كافر"؛ فهذه القاعدة ليست مطلقة تُجرى في كل معتقد وكل مقالة، بل ينحصر نطاقها الشرعي في الكافر الأصلي، أو من ثبت كفره بنصٍّ قطعي صريح معلوم من الدين بالضرورة لا يحتمل تأويلاً ولا يسع فيه خلاف.
أما إقحام هذه القاعدة في دقائق المسائل النظرية والخلافات الاجتهادية بين أهل القبلة، فهو تعدٍّ ظاهر على حدود الشريعة، وتوليدٌ صريح لمسلك التسلسل التكفيري الذي حذّر منه أئمة السلف.
نفي العلو والاستواء - نموذج الفرق بين حكم المقالة وعذر المعيّن
يتضح هذا التأصيل بجلاء تام عند النظر في مسألة نفي علو الله تعالى عن خلقه. فنفي العلو والاستواء عند عامة السلف قولٌ كفري في أصله، لكون الأدلة عليه متواترة قطعية من الكتاب والسنة والعقل والفطرة السليمة معًا، حتى قال من قال من أهل العلم إن إثبات العلو مركوز في فطر الخلق أجمعين.
غير أن أعيان متأخري المتكلمين ممن نفوا العلو تأويلاً، لم يُكفّرهم جماهير المحققين من أهل السنة في أعيانهم، لاقتران مقالتهم بشبهات كلامية موروثة ظنّوا بها التنزيه عن مشابهة الحوادث، أي عن مماثلة الله تعالى للمخلوقات في شيء من خصائصها وصفاتها، فوقعوا في التأويل وهم يحسبون أنهم على الحق.
وبناءً على هذا الأصل، فإن من لم يُكفّر هؤلاء النفاة، أخذًا بموانع التكفير الشرعية المعتبرة، لا يُعدّ كافرًا بوجهٍ من الوجوه؛ بل هو ممارسٌ للتحقيق العلمي والورع الشرعي الذي يميّز بين حكم القول وحكم القائل. والقائل بتكفير من لم يُكفّر هؤلاء يلزمه - بطرد أصله الفاسد - تكفير أئمة الإسلام الذين عذروا بالموانع، وهو لازمٌ باطل يكفي بطلانه في نقض الأصل الذي بُني عليه.
محنة خلق القرآن - الأنموذج التطبيقي الأكمل من سيرة الإمام أحمد
وتزداد هذه المنهجية جلاءً ورسوخًا حين نستحضر مسألة القول بخلق القرآن، وهي المقالة التي أجمع السلف على أنها نفيٌ لصفة الكلام لله عز وجل، وأنها كفرٌ صريح لا يُختلف في حكمها. فخلال المحنة التاريخية المشهورة، أطلق الإمام أحمد بن حنبل وجمهور السلف القول الصريح بأن "من قال القرآن مخلوق فهو كافر".
ومع هذا الإطلاق الصريح في حكم المقالة، فإن الإمام أحمد - وهو إمام أهل السنة بلا منازع في ذلك العصر - لم يُكفّر أعيان الخلفاء الذين أقاموا المحنة وامتحنوا الناس وجلدوهم وسجنوهم عليها، وهم: المأمون والمعتصم والواثق، بل استمر رحمه الله على الصلاة خلفهم، والدعاء لهم بالهداية، ولم يخرج عليهم ولا استحل دماءهم.
والأهم من ذلك، والأدق دلالة على موضع النزاع، أنه لم يُكفّر أصحابه ومعاصريه من العلماء الذين لم يُكفّروا أولئك الخلفاء، أو الذين ترخّصوا في القول بخلق القرآن تحت وطأة السيف والسوط اتقاءً للأذى. وهذا الموقف من إمام أهل السنة في أحرج المواقف التاريخية وأشدها اختبارًا للمبدأ، يقطع قطعًا بيّنًا ببطلان الدعوى المعاصرة التي تجعل من عدم تكفير القائل بالمقالة الكفرية كفرًا بذاته، منفصلاً عن شروط التكفير وموانعه.
تحرير القول في "إنكار كون المقالة كفرًا"
وينسحب هذا التحرير بالضرورة المنطقية والشرعية على مسألة أخرى قريبة الصلة، وهي:
هل إنكار كون المقالة الكفرية كفرًا يُعدّ كفرًا في ذاته؟
والجواب المحرر عند أهل السنة أن هذا الإنكار لا يكون كفرًا على إطلاقه، بل يُفرّق فيه بين حالتين:
المسائل المجمع عليها المعلومة من الدين بالضرورة، بعد قيام الحجة واستبانة النص لكل ذي عقل، فمن أنكر كفر مقالة كهذه فقد كابر معلومًا من الدين.
المسائل الخفية والدقيقة التي تتجاذبها أنظار المجتهدين، ويسوغ فيها الخلاف بين أهل العلم.
فإذا أنكر عالمٌ أو مجتهدٌ كفريةَ مقالةٍ ما، لعدم ثبوت وجه الدلالة عنده، أو لعدم استيفاء شروط النقد العقدي في نظره، فهو حينئذٍ يمارس نظرًا أصوليًا سائغًا، لا يصح رميه بالمروق عن الدين أو الطعن في عقيدته من أجله؛ إذ إن الخطأ في التوصيف العقدي لمقالات أهل التأويل - إذا صدر عن اجتهاد معتبر - مغفورٌ لصاحبه، بل قد يكون مأجورًا على اجتهاده وإن أخطأ في نتيجته.
العدل ميزان هذا الباب
إن القول بتكفير من لم يُكفّر نفاة العلو، أو رمي من ينكر كفرية المقالات المتأوَّلة بالكفر، هو مجانبة صريحة لمنهج السلف الصالح الذي نقلته الأمة جيلاً عن جيل. فالشريعة جاءت بالعدل التام، وقرّرت الفرق الدقيق بين حكم النوع وحكم المعيّن، وبين إطلاق القول في نوع المقالة وتنزيله على شخص بذاته.
وهذا التفريق ليس ترفًا نظريًا، بل هو صمام الأمان الذي يحفظ للأمة اجتماعها، ويقطع سلاسل التكفير المتوالدة التي تفكك عُرى الوحدة، وتستبيح العصم المستقرة بغير برهان ولا حجة. وما أحوج الأمة اليوم إلى استرجاع هذا الميزان النبوي الدقيق، الذي وازن بين تعظيم النصوص وتحقيق العدل مع الخلق، فلا هو بالمُرجئ المفرّط، ولا بالغالي المفرّق لجماعة المسلمين.