تحرير عبد الله المصرى على الإثنين، 10 آب/أغسطس 2026
فئة: مدونات عربية

سلطان الشغف وصناعة الأهواء: دراسة نقدية لمفهوم "اتبع شغفك" في ضوء العقل والشرع

تصدرت كلمة "الشغف" المشهد الثقافي والاجتماعي المعاصر، حتى غدت من أكثر الكلمات تكراراً في خطابات تطوير الذات، وريادة الأعمال، وحتى الأحاديث اليومية. انتقل هذا المفهوم من كونه مجرد وصف لشعور عابر ومؤقت بالاهتمام أو الحماس تجاه أمر ما، ليتحول إلى مبدأ حاكم بُنيت عليه فلسفات كاملة للحياة، ومقياساً رئيسياً تُقاس به قيم الإنجاز والوجود الإنساني. هذا التحول الجذري يستدعي وقفة ت أملية جادة وفحصاً نقدياً دقيقاً. هل نحن أمام مفهوم بريء يدعو إلى التميز وتوظيف القدرات؟ أم أننا أمام فلسفة عميقة، نابعة من سياقات فكرية معينة، أعادت تشكيل مفهوم الإنسان ومعياره في الوجود على أساس الرغبة واللذة الشخصية؟

الجذور الفكرية لعقيدة "اتبع شغفك":
إن البحث في جذور عقيدة "اتبع شغفك" المعاصرة يقودنا حتماً إلى سياق الفلسفة الغربية الحديثة وما تلاها من تيارات "ما بعد الحداثة". فبعد "موت الإله" -كما أعلن نيتشه (Nietzsche)- وتراجع سلطة الميتافيزيقا والقيم الموضوعية المشتركة، أصبح الفرد هو المركز، وغدت رغباته الشخصية وتفضيلاته الذاتية هي المعيار الوحيد للقيم والمعنى [1] (Taylor, 1989, pp. 419-420). في هذا السياق، لم يعد البحث عن "الحق" أو "الواجب" هو الغاية، بل أصبح البحث عن "الأصالة" (Authenticity) -بمعنى تحقيق الذات الفريدة والعيش وفقاً لمشاعرها الداخلية- هو الواجب الأخلاقي الجديد.

وقد نجحت أدبيات "التنمية البشرية" التجارية (Self-Help Industry)، التي ازدهرت في الغرب الرأسمالي، في تكييف هذه الفلسفة الفردانية وتحويلها إلى منتجات استهلاكية سهلة الهضم، تُسوق تحت شعارات براقة مثل "اتبع شغفك" و"حقق ذاتك". هذه الآداب، التي تركز بشكل مبالغ فيه على العاطفة والإيجابية المفرطة، نجحت في تصدير هذا المفهوم إلى العالم الإسلامي دون تمحيص، متجاهلة التباين الجذري بين المنظومة القيمية الإسلامية التي تركز على "الواجب" و"العبودية"، وبين المنظومة الغربية الحديثة التي تركز على "الحق" و"الرغبة" [2] (العويد، 2017، ص 53-55).

آليات صناعة الوهم في العصر الرقمي:
نجحت الآلة الإعلامية المعاصرة، بشتى أذرعها، في تثبيت هذه العقيدة الوهمية وتحويلها إلى مسلمة لا تقبل النقاش لدى شريحة واسعة من الشباب. ويُمكن رصد الآليات التالية في صناعة هذا الوهم:
السينما والدراما: تُصور الأفلام والروايات، وبخاصة تلك الموجهة للشباب، البطل الذي يتمرد على التزاماته الاجتماعية وواجباته العملية ليتبع "نداء قلبه" (نداء الشغف)، وفي لحظة سحرية تصطلح حياته، ويحقق النجاح المالي والاجتماعي فوراً، دون التطرق لصعوبات الواقع أو ضريبة هذا التمرد [3] (Duffy, 2017, pp. 11-13).
مشاهير التنمية البشرية والمدربون التحفيزيون: يختصر هؤلاء قصص النجاح الضخمة والمعقدة في عبارات رنانة فاقدة للمعنى، مثل "آمن بنفسك وستحقق المستحيل"، أو "شغفك هو بوصلتك". هذه العبارات، وإن كانت خادعة، إلا أنها تُلقى على جماهير متعطشة للأمل السهل وتطوير الذات، فتتقبلها دون نقد، مقتاتة على تأجيج العواطف المؤقتة التي تبيعها دوراتهم وكتبهم [4] (إبراهيم، 2021، ص 89-91).
منصات التواصل الاجتماعي: باتت هذه المنصات، وبخاصة "الإنستغرام" و"تيك توك"، مصنعاً للفقاعات الشعورية. فهي تمجد "البدايات البراقة" واللحظات الاحتفالية بالنجاح، بينما تتجاهل وتزهد في العمل الدؤوب، والجهد الصامت، والمثابرة خلف الكواليس، وهي العناصر الحقيقية لأي إنجاز مستدام.

الشغف في ميزان العقل والواقع:
يطرح السؤال نفسه: هل يستطيع الإنسان أن يبني حياة مستقرة ومنتجة بالاعتماد على "الشغف" وحده؟ إن الحقيقة العقلية والواقعية تؤكد أن الشغف مجرد "شعور"، والمشاعر بطبيعتها متقلبة لا تدوم. الإنسان لا يبقى على حال واحدة، وقلبه يتقلب بين الإقبال والإدبار، والحماس والفتور. فلماذا يخبو الحماس دائماً؟ لأنه طاقة بشرية محدودة تنفد مع أول عثرة أو شعور بالملل [5] (Schwartz, 2015, pp. 67-69).
وإذا تأملنا واقع الحياة وتاريخ الإنجازات البشرية، نجد أن أعظم الإنجازات لم يصنعها "الشغف" المزعوم، بل صنعها "الانضباط" والمداومة. العلماء الذين وضعوا قواعد العلوم، الجراحون الذين يقفون ساعات طوال تحت الضغط، الجنود المرابطون على الثغور، حفاظ القرآن الذين يعيدون الآيات آلاف المرات، هل كان "الحماس" هو محرّكهم الدائم؟ كلا، بل الذي يصنعهم ويحملهم هو الانضباط، والالتزام بالواجب، والشعور بالمسؤولية، لا الحماس المؤقت. الحماس قد يكون الشرارة، لكن الانضباط هو الوقود الذي يبقي المحرك يعمل [6] (Dweck, 2016, pp. 102-104).

الإسلام وتحطيم عبودية المزاج والهوى:
يقدم الإسلام منظوراً جذرياً يختلف عن "عقيدة الشغف" الفردانية. المسلم الحق لا يعبد مشاعره ولا يجعل هواه إلهاً من دون الله. مفهوم "العبودية الحقة" يقتضي أن "التكليف" فوق "الرغبة"، وأن الامتثال لأمر الله مقدم على المتعة الشخصية والميل النفسي. قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَارَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) [الأحزاب: 36].
إن مجاهدة النفس -التي هي من أعظم العبادات- تقوم على مقاومة أهواء النفس ورغباتها، لأن النفس بطبيعتها تكره التكليف والقيود، ولأن الهوى يصد الإنسان عن الحق متى ما استبد به. قال تعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ) [الجاثية: 23]. لذلك، يربي الله سبحانه وتعالى عباده على "الثبات" على الحق والواجب، لا على "التقلب" وفق أهواء النفوس ومشاعرها المتغيرة. وهنا يظهر الفارق الجوهري بين مسارين: مسار "الهوى" الذي يقول: "افعل ما تحب واقعد حيث تلتذّ نفسك"، ومسار "الإخلاص" الذي يقول: "افعل ما يحب الله ورسوله، ولو كان على غير ما تهوى النفس" [7] (ابن القيم، ت. 1350 هـ، ج 2، ص 115-117).

تفكيك الكذبة الكبرى: "لن تنجح إلا إذا وجدت شغفك"
عبارة "لن تنجح إلا إذا وجدت شغفك" هي عبارة براقة، لكنها غير حقيقية، وإذا فككناها علمياً وواقعياً يظهر ذلك جلياً:
مغالطة تاريخية: ملايين البشر عبر التاريخ نجحوا، وأبدعوا، وقدموا خدمات جليلة للبشرية قبل أن يسمعوا أصلاً بكلمة "شغف" بمعناها المعاصر. نجاحهم كان نابعاً من الشعور بالمسؤولية، أو الحاجة، أو الرغبة في الإتقان، لا من "اتبع شغفك" [8] (Grant, 2013, pp. 210-212).
غياب الشغف المزعوم: أكثر الناس في هذه الأرض لا يعرفون "شغفهم المزعوم" أصلاً، ومع ذلك يعيشون حياة منتجة، ونافعة، ومرضية لأنفسهم ولمجتمعاتهم.
الفشل الذريع: كثير ممن تركوا أعمالهم المستقرة وأرزاقهم خلف أوهام "اتباع الشغف" انتهى بهم المطاف إلى الفشل، والضياع المالي، والنفسي، لأن الشغف وحده لا يكفي لبناء مشروع ناجح [9] (Newport, 2012, pp. 15-17).
الشغف يُولد أثناء الطريق: الحقيقة الثابتة أن الشغف الحقيقي -بمعنى الحب العميق والإتقان العالي للعمل- يُولد "أثناء الطريق"، وينمو مع الإتقان والنجاح، ولا يكون دائماً شرطاً قبله. إن ممارسة العمل بانتظام وإتقانه هو ما يولد الحب له، وليس العكس [10] (Duckworth, 2016, pp. 133-135).

الآثار الكارثية لتقديس الشغف على جيل كامل:
لقد أدى تقديس "الشغف" المزعوم إلى نتائج كارثية على مستوى الأجيال المعاصرة، ويُمكن رصد مظاهر ذلك في:
عدم الاستقرار والتقلب: كثرة تغيير التخصصات الدراسية والمهنية بلا استقرار ولا نضج، بحثاً عن "الشغف المفقود".
الهروب من المسؤولية: ترك الوظائف وفرص العمل بسرعة عند أول شعور بالملل أو الضغط، تحت ذريعة "لم أعد أشعر بالشغف هنا".
الفتور في طلب العلم والعبادة: الملل السريع من طلب العلم الشرعي أو النظامي، والقطاع المتكرر عن حفظ القرآن الكريم لغياب "الإثارة" الدائمة والحماس العاطفي.
إدمان البدايات وكراهية النهايات الشاقة: انتشار المشاريع الورقية والوعود الكبيرة، وقلة الإنجاز الحقيقي على الأرض، بسبب كراهية النهايات التي تتطلب نفساً طويلاً وانضباطاً [11] (إبراهيم، 2021، ص 101-103).

تجارة الشغف: بيع الوهم والسراب:
الأمر أبسط وأقسى مما يتصور البعض؛ الشغف اليوم صار منتجاً تجارياً رابحاً. إن الإنسان الذي ينتظر هبوب رياح الحماس ليتحرك، يظل طوال عمره زبوناً دائماً: يشتري الدورات، يقرأ الكتب التحفيزية، ويشاهد الفيديوهات الحماسية، لكنه في النهاية لا يعمل ولا ينجز. إنها باختصار: تجارة في الأحلام والسراب، حيث المستفيد الحقيقي هو صُناع هذا الوهم [12] (Ehrenreich, 2009, pp. 53-55).

منظومة صناعة الدافعية المستدامة في الإسلام:
بدلاً من الاتكال على وهج الشغف العابر، يمتلك المسلم منظومة متكاملة لصناعة الدافعية المستدامة التي لا تنفد بفتور المشاعر:
الإخلاص: ابتغاء وجه الله في الصغير والكبير، مما يجعل العمل عبادة بحد ذاتها.
استحضار الآخرة: تذكر الميزان، والجزاء، والجنة، والنار، مما يبعث على الجدية والمثابرة.
العادة والالتزام: تحويل الأعمال النافعة إلى جدول يومي لا يتخلف عنه، مما يقلل الاعتماد على الدافع المؤقت.
الصحبة الصالحة: التي تشدّ العزم وتعين على الاستقامة.
الصبر والاصطبار: وتوطين النفس على مشاق الحياة وصعوبات العمل [13] (الغزالي، ت. 505 هـ، ج 4، ص 210-212).

أخيرا فإننا لا ندعو إلى نبذ الشغف بالكلية؛ فأن يحب الإنسان العلم أو العمل أو الإتقان فهذا فضل من الله. إنما المذموم والخطير أن يتحول الشغف إلى إلهٍ يُطاع، يُبنى عليه القرار ويُهجر لأجله الواجب. إن الشغف طائر سابح يجيء ويذهب، لكن الحق، والواجب، والإخلاص، وثبات الخطى هي الأصول التي يجب أن تبنى عليها الحياة. فإن من سار خلف هواه وقف متحسراً عند أول فتور، ومن سار إلى الله مستعيناً به لم يلتفت إلى تقلب نفسه، لأنه يوقن أن الطريق الطويل لا يقطعه المتحمسون المؤقتون، وإنما يقطعه الثابتون الصادقون.

المراجع:
[1] Taylor, C. (1989). Sources of the self: The making of the modern identity. Harvard University Press.
[2] العويد، عبد الله. (2017). وثنية التنمية البشرية: قراءة نقدية لأسس وأدبيات التنمية البشرية في ضوء الإسلام. دار التوحيد للنشر.
[3] Duffy, M. (2017). Be your own hero: The influence of media stories on the way we see ourselves. Psychology Press.
[4] إبراهيم، محمد جلال. (2021). الشغف المستعار: نقد أدبيات تطوير الذات والتنمية البشرية في العالم العربي. دار الفكر المعاصر.
[5] Schwartz, B. (2015). Why we work. Simon & Schuster.
[6] Dweck, C. S. (2016). Mindset: The new psychology of success. Random House.
[7] ابن القيم، شمس الدين محمد بن أبي بكر. (ت. 1350 هـ). مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين. (تحقيق محمد حامد الفقي). دار الكتاب العربي.
[8] Grant, A. M. (2013). Give and take: Why helping others drives our success. Viking.
[9] Newport, C. (2012). So good they can't ignore you: Why skills trump passion in the quest for work you love. Grand Central Publishing.
[10] Duckworth, A. (2016). Grit: The power of passion and perseverance. Scribner.
[11] إبراهيم، محمد جلال. (2021). المرجع السابق، ص 101-103.
[12] Ehrenreich, B. (2009). Bright-sided: How the relentless promotion of positive thinking has undermined America. Metropolitan Books.
[13] الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد. (ت. 505 هـ). إحياء علوم الدين. دار المعرفة.

اترك تعليقاتك