تحرير عبد الله المصرى على الأحد، 16 آب/أغسطس 2026
فئة: مدونات عربية

تفنيد دعوى تكفير الأشعرية: قراءة في مقالة محمد بن شمس

قرأت مقالة لمحمد بن شمس بعنوان «من قال بكفر الأشعرية»، جُمعت فيها طائفة كبيرة من النقول عن علماء من عصور مختلفة، قصد صاحبها ـ كما صرّح ـ توثيق أقوال من كفّروا الأشعرية، لا تحرير مسألة التكفير ولا بيان الراجح فيها.

وسوف نبدأ من حيث انتهى هو، لا من حيث نريد نحن: ففي التراث بالفعل أقوال صريحة في تكفير الأشعرية أو تكفير بعض المقالات التي نُسبت إليهم، بل إن بعض النقول لا يصح إنكار صراحتها. ومن ثم فليس من العلم أن يقال: «لم يقل أحد من العلماء بكفر الأشاعرة».

لكن إثبات وجود هذه الأقوال شيء، وإثبات النتيجة التي يريد صاحب المقالة الوصول إليها شيء آخر.

وهنا يقع الخلط.

جمع النقول ليس هو تحرير محل النزاع

مقالة محمد بن شمس تجمع تحت عنوان واحد صورًا متعددة:

من العلماء من قال صراحة: «الأشعرية زنادقة» أو «ليسوا بمسلمين».

ومنهم من حكم بالكفر على مقالة معينة ونسبها إلى الأشاعرة.

ومنهم من نقل قولًا عن الأشاعرة ثم قال: «من قال بهذا فهو كافر».

ومنهم من وصفهم بالزندقة أو البدعة، دون أن يكون كل لفظ من هذه الألفاظ مساويًا في كل سياق للحكم بردة كل فرد من أفراد الطائفة.

وهذه الفروق ليست ترفًا اصطلاحيًا، وإنما هي صميم باب التكفير.

فحين يقول عالم: «من قال بخلق القرآن فهو كافر»، فهذه فتوى في قول معين. أما الانتقال منها إلى: «كل من انتسب إلى المذهب الفلاني كافر»، فهو يحتاج إلى خطوة استدلالية أخرى.

وهذا التفريق نفسه هو الذي قرره ابن تيمية بوضوح، فقال: إن التكفير المطلق لا يستلزم تكفير الشخص المعين حتى تقوم عليه الحجة، وقرر أن المجتهد الذي أخطأ في بعض مسائل الاعتقاد لا يلزم أن يبلغ خطؤه الكفر.

فلا يجوز أن نأخذ نصف القاعدة ونترك نصفها الآخر.

أشعرية القرن الرابع ليست بالضرورة أشعرية القرن الثامن أو الرابع عشر

وهذه من أهم المسائل التي أغفلتها مقالة ابن شمس.

فحين نقرأ نصًا من القرن الرابع أو الخامس في «الأشعرية»، ينبغي أن نسأل:

من هم الأشاعرة الذين كان يتحدث عنهم صاحبه؟ وما المقالة التي كان ينكرها عليهم؟

فالمذهب لم يبقَ صورة واحدة جامدة عبر تسعة قرون.

والخلافات بين أبي الحسن الأشعري في مراحله المختلفة، وابن فورك، والباقلاني، والجويني، والغزالي، والرازي، والآمدي، ثم الأشاعرة المتأخرين، ليست خافية على من له أدنى اشتغال بتاريخ علم الكلام.

ومن ثم فإن إثبات أن عالمًا في القرن الخامس كفّر طائفة معينة من الأشاعرة لا يكفي وحده لإصدار حكم تاريخي شامل على كل من انتسب إلى الأشعرية بعد ذلك.

بل لا بد من إثبات أن المقالة التي كفّر بسببها ذلك العالم هي نفسها التي يعتقدها الشخص المعاصر، وأن الحكم الذي أصدره كان حكمًا على كل فرد من أفراد الطائفة، لا على مقالة أو طائفة مخصوصة منها.

وهذا أمر لا تثبته مجرد كثرة النقول.

بعض أقوى النقول في المقالة إنما تدور حول مسألة القرآن

خذ مثلًا كلام ابن قدامة الذي نقله صاحب المقالة.

العبارات شديدة جدًا، ولا يصح إنكار شدتها، فقد وصف قومًا بالزندقة، لكنه لم يترك القارئ بلا بيان لما حمله على هذا الحكم؛ بل تحدث عن اعتقادهم أن ما في المصاحف ليس القرآن، وإنما الورق والمداد، وأن القرآن الذي هو كلام الله شيء آخر.

فهنا نحن أمام مقالة عقدية محددة.

والسؤال المنهجي:

هل كل من انتسب إلى الأشعرية يقول بهذا المعنى الذي كفّر ابن قدامة من قال به؟

إن لم يكن كذلك، فلا يصح أن يتحول حكم ابن قدامة على تلك المقالة إلى قاعدة:

«ابن قدامة يكفّر كل أشعري لمجرد انتسابه إلى الأشعرية».

والأمر نفسه يقال في كلام ابن أبي العز الذي استشهد به صاحب المقالة؛ فهو يحاكم تصورًا محددًا للكلام الإلهي، ثم يحكم على تلك المقالة بأنها أفضت إلى القول بخلق القرآن، بل وصفها بأنها «أكفر من المعتزلة».

قد نناقش ابن أبي العز في توصيفه لمذهب الأشاعرة، وقد نناقش حكمه على المقالة، لكن لا يصح منطقيًا أن نقفز من كلامه إلى نتيجة لم يقلها في الموضع نفسه: أن كل من انتسب إلى الأشعرية في كل زمان فهو كافر.

ابن تيمية لا يجوز اختزاله في عبارة «يا مرتدين»

ومن أكثر مواضع المقالة إثارة للنقاش نقلها عن ابن تيمية قوله لبعض خصومه:

«يا مبدلين، يا مرتدين عن الشريعة، يا زنادقة».

والإنصاف يقتضي أن نقول: العبارة موجودة، ولا يصح إنكارها.

لكن هل انتهى البحث هنا؟

الجواب: لا.

لأن ابن تيمية نفسه من أكثر العلماء الذين قرروا التفريق بين الحكم على القول والحكم على القائل المعيّن.

وقد قال بوضوح إن القول قد يكون كفرًا، ومع ذلك لا يُكفَّر الشخص المعين حتى تقوم عليه الحجة، وقرر أن المجتهد الذي يستفرغ وسعه في طلب الحق ثم يخطئ قد يغفر الله له خطأه. 

بل قال في درء تعارض العقل والنقل في معرض حديثه عن المخالفين: إن من هؤلاء من له مساعٍ مشكورة وحسنات مبرورة، وله في الرد على أهل الإلحاد والبدع والانتصار لأهل السنة ما لا يخفى على من عرف أحوالهم. 

إذن لا يجوز أن نأخذ من ابن تيمية لفظة «مرتدين» من سياق معين، ثم نترك عشرات المواضع التي فصل فيها منهجه في التكفير، ونقول: «هذه هي عقيدة ابن تيمية في كل الأشاعرة».

هذا ليس تحقيقًا لمذهب الرجل، وإنما هو انتقاء من كلامه.

والأدق أن يقال:

ابن تيمية اشتد في الرد على طوائف من الأشاعرة، وكفّر بعض المقالات، وصدرت عنه عبارات شديدة في حق بعض أعيانهم، لكنه في الوقت نفسه قرر أصلًا منهجيًا يمنع من جعل التكفير المطلق مساويًا لتكفير كل معين.

وهذه العبارة تستوعب مجموع كلامه، لا جزءًا منه.

علماء السلفية المعاصرين

وعلينا أن ننتبه أنه حتى داخل المدرسة السلفية المعاصرة نفسها لم يكن الحكم واحدًا، وهذه نقطة يصعب تجاوزها.

فإذا كانت القضية أن «الأشاعرة كفار عند أهل السنة»، فكيف نفسر تصريح علماء من الاتجاه السلفي نفسه بخلاف ذلك؟

سُئل الشيخ عبد العزيز بن باز صراحة:

«هل الأشاعرة من أهل السنة والجماعة أم لا؟ وهل نحكم عليهم من المذهب أم كفار؟»

فأجاب:

«الأشاعرة من أهل السنة في غالب الأمور... وليسوا بكفار، بل فيهم الأئمة والعلماء والأخيار»،

مع تأكيده على مخالفتهم لأهل السنة في مسائل من الصفات وتأويلهم لها.

وهذا ليس نصًا من عالم أشعري حتى يُقال إنه يدافع عن مذهبه؛ بل هو نص من ابن باز نفسه، الذي هو رمز كبير من رموز السلفية، ولا يحبه الأشاعرة، ويعتبرونه عدواً من أعدائهم.

فيمكن لمن شاء أن يخطئ ابن باز في هذه المسألة، ويمكنه أن يقول إن غيره من العلماء أشد منه حكمًا، لكن لا يمكنه أن يكتب تاريخ المسألة وكأن «تكفير الأشاعرة» هو القول الوحيد لأهل السنة.

بل الواقع التاريخي أوسع من ذلك.

أين الإشكال

والمشكلة ليست في وجود المكفِّرين، بل في تحويل قولهم إلى إجماع، وهذه أهم نقطة في المسألة كلها.

إذا قال قائل:

«وجدت عشرة أو عشرين عالمًا كفّروا الأشاعرة».

فقد أثبت وجود قول.

أما إذا قال:

«إذن الأشاعرة كفار عند أهل السنة».

فقد انتقل إلى دعوى أخرى تحتاج إلى دليل مستقل.

فوجود أئمة كفّروا الجهمية أو المعتزلة أو بعض فرق القدرية أو بعض مقالاتهم لا يعني أن كل إمام منهم كان يحكم على كل فرد انتسب إلى تلك الطائفة بحكم الردة، فضلًا عن أن هذا الحكم لا يسقط بمجرد الانتساب.

ولهذا قرر ابن تيمية نفسه أن من أصحاب الأئمة من يكفر أهل البدع مطلقًا، لكنه نبّه إلى أن المنقولات الصريحة عن الأئمة تناقض تكفير كل مبتدع، وأن القول قد يكون كفرًا ولا يلزم من ذلك تكفير قائله مع الجهل والتأويل. 

 التمييز بين «تكفير المقالة» و«تكفير المعيّن»

وهذه القاعدة هي مفتاح الباب كله.

يمكن أن يقول العالم:

«هذه المقالة كفر.»

وهذا حكم على القول.

ثم يأتي السؤال:

«وهل كل من قالها كافر؟»

فيقال: ليس بالضرورة.

ثم يأتي سؤال ثالث:

«وهل كل من انتسب إلى طائفة قيل إن عندها هذه المقالة يقول بها فعلًا؟»

وهذا أبعد.

ثم سؤال رابع:

«وهل إذا قال بها شخص معين قامت عليه الحجة وانتفت موانع التكفير؟»

وهذا باب آخر.

ولهذا كان الخلط بين هذه المراتب من أخطر أبواب الغلو في التكفير.

وقد عبّر ابن تيمية عن ذلك بقاعدة واضحة: «التكفير المطلق مثل الوعيد المطلق، لا يستلزم تكفير الشخص المعين حتى تقوم عليه الحجة».

التفريط مرفوض

وليس من الإنصاف أيضًا أن نقلب المسألة في الاتجاه الآخر

والإنصاف يقتضي أن نحذر من خطأ مقابل.

فليس الرد الصحيح أن نقول:

«كل الأشاعرة أهل السنة ولا خلاف في ذلك».

فهذه أيضًا عبارة غير محررة؛ لأن الأشاعرة خالفوا أهل السنة في مسائل عقدية مهمة، وقد نص ابن باز نفسه على أن مخالفتهم في تأويل الصفات خطأ.

وكذلك لا يصح أن ننكر أن عددًا من أئمة أهل الحديث والحنابلة وغيرهم أطلقوا أحكامًا شديدة جدًا على بعض مقالات الأشاعرة، وبعضهم صرح بتكفيرهم.

فالعدل هنا في الاتجاهين.

لا نمسح التراث المخالف لنا، ولا نجعل أقوال بعض العلماء إجماعًا لمجرد أنها توافق موقفنا.

احذر من التدليس

مقالة محمد بن شمس لا تكفي لإثبات النتيجة التي قد يفهمها القارئ من عنوانها؛ لأن «وجود علماء كفّروا الأشعرية» ليس هو نفسه «أن الأشاعرة كفار بإطلاق»، وليس هو نفسه «أن كل من انتسب إلى الأشعرية كافر»، وليس هو نفسه «أن تكفير الأشاعرة هو قول أهل السنة جميعًا».

والأدق تاريخيًا وعلميًا أن نقول:

لقد وُجد في تاريخ أهل السنة علماء شددوا في الأشاعرة، ومنهم من كفّر بعض مقالاتهم، ومنهم من صرّح بتكفير طائفة منهم، بل إن بعضهم أطلق عليهم ألفاظًا صريحة في الزندقة والكفر. وفي المقابل وُجد من أهل السنة من لم يكفّرهم، بل عدّهم من أهل القبلة وأهل السنة في الجملة، مع تخطئتهم في مسائل عقدية.

ولذلك فالمسألة ليست مسألة: «هل وُجد من كفّر؟» فهذا ثابت، وإنما المسألة: «ماذا كفّر؟ ومن كفّر؟ وعلى أي مقالة؟ وهل حكم على القول أم على المعيّن؟ وهل كان حكمه على طائفة بعينها أم على كل من انتسب إليها؟ وهل يمثل قوله إجماعًا أم هو قول لإمام من أئمة أهل السنة؟»

ومن هنا يظهر أن الموقف العلمي ليس إنكار أقوال المكفِّرين، ولا تحويلها إلى سيف مسلط على كل أشعري.

فالخلاف العقدي شيء، والتكفير شيء آخر؛ والنقد العلمي شيء، وإخراج الناس من الإسلام شيء آخر؛ وأخطر ما في الباب أن تتحول أقوال بعض الأئمة في مقالات محددة إلى ميزان يُحكم به على أعيان العلماء والناس بمجرد الانتساب.

وهذا بالضبط هو الموضع الذي يحتاج إلى تحرير، لا إلى مجرد كثرة النقول. 

اترك تعليقاتك