تحرير عبد الله المصرى على الأربعاء، 20 آب/أغسطس 2025
فئة: مدونات عربية

العالم على صفيح ساخن: أوكرانيا تُسلَّم لروسيا، وغزة على أعتاب لحظة فارقة

بينما ينشغل الناس بأخبار متفرقة، يمرّ العالم في هذه اللحظات بتحولات عميقة قد تعيد رسم الخريطة السياسية بأكملها. خلال 48 ساعة فقط، حدثت تطورات أشبه بانقلابات تاريخية: أمريكا تفتح الباب لتسليم أوكرانيا لروسيا، وغزة تقف على أعتاب وقف حرب دموي طال أمده.

واشنطن وألاسكا: صفقة على حساب أوكرانيا

المفاجأة الكبرى جاءت من أقصى الشمال الأمريكي؛ حيث اجتمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في ولاية ألاسكا.
اجتماع لم يدم أكثر من 90 دقيقة، لكنه كفيل بإعادة موسكو إلى صدارة المشهد كقوة عظمى.

استُقبل بوتين استقبال الملوك: عروض جوية بالطائرات القاذفة B2-Spirit، وسجادة حمراء، واحتفاء بدا وكأن الولايات المتحدة تُسلم مفاتيح المستقبل لروسيا. أما أوكرانيا، فقد جرى تقرير مصيرها في غياب رئيسها زيلينسكي!

الاتفاقات المبدئية صادمة:

القرم باقية تحت سيادة روسيا.

أوكرانيا لن تنضم إلى حلف الناتو مطلقًا.

دونيتسك تتحول إلى منطقة منزوعة السلاح، وربما تسليم أراضٍ إضافية لروسيا.

بهذا، يظهر ترامب بمظهر "صانع السلام" بينما تبدو أوروبا، التي خسرت اقتصادها وعلاقاتها مع موسكو لأجل أوكرانيا، كمن خُدع وخسر كل شيء.

أوروبا في مأزق وجودي

المشهد بالنسبة لعواصم أوروبا كان كابوسًا حقيقيًا؛ فالولايات المتحدة التي دفعتهم لخوض الحرب، هي نفسها التي تفاوض الآن على تسليم أوكرانيا!
لهذا، شدّ زيلينسكي الرحال إلى واشنطن ومعه صف كامل من قادة أوروبا: ماكرون، ميرتس، ميلوني، ستارمر، فون ديرلاين… الجميع يبحث عن طريقة لمنع "البيع العلني" لكييف.

لكن الحقيقة المؤلمة أن أوروبا ما تزال عاجزة عن مواجهة روسيا منفردة، وكل قوتها العسكرية الحالية لا تكفي لسد الفراغ لو رفعت واشنطن يدها.

غزة: الكرة في ملعب إسرائيل

وفي الجهة الأخرى من العالم، جاءت الأخبار من القاهرة. الفصائل الفلسطينية وعلى رأسها حماس وافقت على المقترح المصري–القطري لوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى.
الخطة تنص على هدنة لمدة 60 يومًا، يفرَج خلالها عن عشرة أسرى إسرائيليين مقابل عدد من الأسرى الفلسطينيين، مع مفاوضات لاحقة لإنهاء الحرب كليًا.

الخطوة وُصفت بأنها أكبر تنازل قدمته المقاومة منذ بداية الحرب. الكرة الآن في ملعب إسرائيل،

وإذا وافقت، قد نشهد أخيرًا بداية طريق لإنهاء المأساة.

وإذا رفضت، فقد تدخل المنطقة في مواجهة مفتوحة، خصوصًا مع تهديد القاهرة بقطع شعرة معاوية إن استمر نتنياهو في المماطلة أو التلاعب.

ما وراء المشهد: عالم جديد يتشكل

الأحداث الأخيرة ليست مجرد مصادفات سياسية، بل مؤشرات على أن العالم يدخل مرحلة جديدة، أشبه بما حدث بعد سقوط الاتحاد السوفيتي أو بعد أحداث 11 سبتمبر.

سقوط أوهام أوروبا

منذ بداية الحرب، تصورت أوروبا أنها تقاتل دفاعًا عن "قيم الحرية" ضد التوسع الروسي. لكنها اكتشفت متأخرًا أنها لم تكن سوى ورقة في يد واشنطن.
الولايات المتحدة استخدمت القارة العجوز كأداة:

استنزفتها اقتصاديًا عبر قطع الغاز الروسي، ودفعتها للاعتماد على الطاقة الأمريكية الباهظة.

أرهقتها عسكريًا بتمويل أوكرانيا.

ثم في النهاية تركتها في مواجهة فراغ استراتيجي، بينما تفاوض روسيا منفردة.

هذه الخيانة ستترك ندوبًا عميقة في العلاقة بين ضفتي الأطلسي، وقد تدفع الأوروبيين عاجلًا أو آجلًا إلى بناء قوة مستقلة بعيدًا عن واشنطن.

ترامب وبوتين: صفقة الكبار

لقاء ألاسكا أظهر حقيقة السياسة الدولية: الأقوياء يتفاوضون، والضعفاء يَقبلون بالنتائج.
روسيا التي صُوّرت لسنوات كعدو معزول، عادت لتجلس على الطاولة كقوة ندّية للولايات المتحدة. وأوكرانيا، التي قدّمت آلاف الأرواح ومليارات الدعم، أصبحت مجرد ملف بين يدي بوتين وترامب.

هذا يفتح الباب أمام تساؤل أكبر: هل نحن أمام عودة "عالم ثنائي القطبية" من جديد؟

الشرق الأوسط: بين المقاومة والوصاية

المشهد الفلسطيني يوازي ما يجري في أوكرانيا، لكن بوجه آخر.
حماس والفصائل تدرك أن الاستمرار في الحرب يستنزف الشعب، لذلك قَبِلت بالمبادرة المصرية القطرية. لكن الخطر أن تتحول غزة إلى نسخة أخرى من "الضفة الغربية": إدارة شكلية تحت احتلال مقنّع، بضمانات إقليمية ودولية.

وهنا يأتي دور مصر: فهي الآن أمام اختبار تاريخي. قبولها بسلام هشّ مع إسرائيل، معناه ترسيخ وضع يقتل فكرة المقاومة. أما رفضها الانصياع للمخطط الإسرائيلي، فقد يدفع المنطقة كلها إلى مواجهة مفتوحة.

النظام العالمي بين لحظتين

المثير أن الأزمتين – أوكرانيا وغزة – تلتقيان في لحظة واحدة:

الأولى تكشف خداع أمريكا لحلفائها.

والثانية تفضح عنصرية إسرائيل وعجزها عن فرض مشروعها بالقوة.

كلاهما يبرهن أن العالم القديم يتداعى: لم تعد هناك "زعامة مطلقة" لأمريكا، ولا قدرة لإسرائيل على فرض إرادتها دون حساب.

ساعة الحقيقة تقترب

نحن أمام مفترق طرق:

إما أن ينجح الكبار في فرض تسويات على مقاسهم، فيتحول العالم إلى رقعة شطرنج تُدار فوق رؤوس الشعوب.

أو تخرج من قلب هذه الأزمات قوى جديدة، تغيّر المعادلة، وتعيد التوازن الدولي على أسس مختلفة.

في كل الأحوال، الأيام القادمة لن تكون عادية. إنها لحظة فاصلة بين زمنين: زمن الهيمنة الأمريكية، وزمن التعددية الدولية.

وفي النهاية… قد لا يذكر التاريخ أسماء الجنود الذين سقطوا، ولا الشعوب التي نزفت، لكنه بالتأكيد سيتذكر أن هذه اللحظة كانت بداية النهاية لعالمٍ وُلد في واشنطن، وها هو اليوم يشيخ أمام أعيننا.