بينما تنشغل الأمة بمواجهة عاتيات الزمن وتحديات العصر، نبتت في أحشائها نابتة جعلت من التبديع ديناً، ومن الهجر قربى، ومن إسقاط الأعيان معياراً للإيمان.
إنها الحدادية؛ ذلك الغلو المقيت الذي لم يقف عند تدمير الحاضر، بل امتدت معاوله لتنبش قبور الأئمة الأعلام، محولةً رحابة السنة إلى زنزانة ضيقة لا يدخلها إلا الناجون من مقصلة التبديع. فكيف تحول سيف الجرح والتعديل من أداة لحماية الوحي إلى خنجر يمزق نسيج الجماعة؟
الحدادية والمداخلة: رحم واحد وصراع النقائض
لتفكيك لغز الحدادية، يجب العودة إلى جذورها في التيار المدخلي؛ فقد خرجت هذه الفرقة من معطف محمود الحداد، الذي كان يوماً من أخص تلاميذ ربيع المدخلي وسواعده.
إن الحدادية في جوهرها ليست سوى النسخة الانتحارية من المنهج المدخلي؛ فبينما حصر المداخلة جرحهم في الخصوم المعاصرين، طرد الحداد هذه القواعد المتشددة على أئمة الإسلام الكبار. وحين بدأ الحداد بتكفير وتبديع قامات كأبي حنيفة وابن حجر، سارع المدخلي للتبرؤ منه مسمياً إياهم الحدادية ليحمي منهجه من آثاره المنطقية.
واليوم، يتجدد هذا المسلك عبر منصات رقمية يتصدرها محمد بن شمس الدين، الذي يتبنى نفساً حدادياً حاداً، مفعلاً سلاح امتحان الناس بالأشخاص لتصنيف العالم والجاهل على حد سواء.
إن هذا المسلك لا يكتفي بمحاربة ما يراه بدعة، بل يسقط الرجال ويستبيح الحرمات العلمية بجهل وظلم، مما يجعله تجسيداً معاصراً للفكر الحدادي الجلد.
التأثير التدميري: تفكيك الوعي وهدم المرجعية
لا يتوقف خطر محمد بن شمس الدين عند حدود السجال العلمي، بل يمتد لزراعة لغم فكري في عقول الناشئة عبر:
تسطيح الوعي الشرعي: حيث يُستبدل فقه المتون والأصول بفقه النميمة العلمية والجرح والتعديل، مما يخرج جيلاً لا يعرف من الدين إلا أسماء من سقطوا.
زرع الشقاق النفسي: تحويل الأخوة الإيمانية إلى حالة من التربص الرقمي، حيث يُجبر المتابع على امتحان ولائه عبر اتخاذ مواقف حدية من أشخاص بعينهم.
إسقاط الرموز الكبرى: الطعن في المرجعيات المعتبرة يُحدث حالة من التيه، تجعل من المنصة الرقمية هي المصدر الوحيد للحق والباطل.
القسوة والجفاء النفسي: إيراث متبعيه نوعاً من الكبر الخفي وسوء الظن، وتغييب الرحمة والرفق في دعوتهم ليحل محلها التربص والبحث عن العثرات.
جناية التكفير المتسلسل على أئمة الإسلام
تتجلى الكارثة في جرأة هذا التيار على تكفير وتبديع أعمدة العلم كالإمام النووي والحافظ ابن حجر، بدعوى وقوعهم في تأويلات عقدية، وهذا المسلك لا يسقط الرجال فحسب، بل يهدم التراث الإسلامي برمته؛ فإسقاط هؤلاء يعني عملياً تمزيق فتح الباري وشرح صحيح مسلم، وقطع صلة الأمة بتراثها الذي أجمعت عليه القرون.
والمفارقة أن كبار علماء السلفية المعاصرين، كالشيخ ابن باز وابن عثيمين والألباني، كانوا يترحمون على هؤلاء الأئمة ويعرفون لهم قدرهم وإمامتهم رغم المآخذ. فجاء هذا المسلك الحدادي المعاصر ليكون أشد غلواً من أساطين السلفية أنفسهم، بل وناقض منهج الأكابر الذين يدعي السير على خطاهم.
إن تفعيل قاعدة من لم يكفر الكافر فهو كافر حول الدعوة إلى سلسلة من التكفير المتسلسل الذي لا ينتهي، حتى تضيق دائرة الإسلام فلا تكاد تشمل إلا أصحاب هذا المنهج وحدهم.
أهل السنة: وسطية العدل في زمن الاعتزال
إن المنهج الحق يقف شامخاً بين غلو الحدادية وجفاء التمييع؛ فهو منهج يقوم على ركائز صلبة:
1. العلم والعدل: فلا حكم بلا برهان، ولا ظلم لمخالف مهما اشتد النزاع.
2. الإنصاف والرحمة: فالهدف هو البناء لا الهدم، والهداية لا التشفي.
3. القوة بلا فجور: التحذير من البدعة واجب، لكنه لا يبرر استباحة الأعراض وتكفير الأعيان بغير مكفر.
إن السنة رحمة للعالمين، ولم تكن يوماً سوطاً بأيدي المتربصين. فمن جعل الدين كله قائمة سوداء بالمنبوذين، فقد ضل عن مقاصد الشريعة في التأليف والوحدة. إن الحدادية المعاصرة هي الوجه الآخر للتطرف، ولن تنتهي إلا بتفتيت نفسها بعد أن تفرغ من تفتيت الآخرين، فالسنة إرشاد يحيي القلوب، وليست مقصلة تزهق الوعي.
الهوامش والتوثيق:
[1] انظر في أصل نشأة الحدادية وبدايتها في أحضان المداخلة: ربيع بن هادي المدخلي في كتابه دحر افتراءات أهل الأهواء والباطل.
[2] سمى ربيع المدخلي هذا التيار بالحدادية نسبة لمحمود الحداد المصري، لتمييزهم عن منهجه بعد أن بدأ الحداد يطبق قواعد الجرح على أئمة السلف والخلف دون استثناء.
[3] هذه القاعدة الجليلة أوردها الإمام الغزالي في المنقذ من الضلال بلفظ: الحق لا يعرف بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله.
[4] انظر على سبيل المثال: ابن باز في مجموع فتاواه (28/247)، وابن عثيمين في لقاء الباب المفتوح، حيث أكدا على إمامة ابن حجر والنووي والترحم عليهما رغم وقوعهما في تأويل بعض الصفات.