حين يخوض المرء في لُجّة الأحكام العقدية بغير علم، أو يطلق لسانه في أعراض إخوانه بغير بيّنة، فإنه لا يقترف زلة لسان عابرة، بل يفتح باباً من أبواب التهلكة التي تتناهبها رياح الشقاق. فإن جريمة "التكفير" ليست رداءً فضفاضاً يُلقى على عواهن الناس، ولا صكّ إقصاء يُمنح أو يُسلب بالأهواء والظنون، بل هي ثغرةٌ مخيفة من ثغور الموت الروحي، وميزانٌ دقيق إن مال بالجهل، انقلب وزره على صاحبه طوقاً من نار. ولقد وقف الشارع الحكيم حارساً أميناً على دماء القلوب وأواصر الملة، محذراً من الاستطالة على حرمات المسلمين، ليبقى المجتمع الإسلامي متصلاً برابطة الأخوة، بمعزل عن معاول التهديم والشتات.
صواعق النذير: حين ترتد الكلمة على قائلها
لم تترك السنة النبوية المطهرة باب الاستهانة بالذمم ديانةً مرخى العنان، بل أحاطته بأسوارٍ من الوعيد الشديد الذي يقصم عرى الغرور البشري. فمن أصح الأحاديث وأعظمها زجراً، ما أخرجه البخاري وغيره عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يَرمي رجُلٌ رجُلًا بالفُسوقِ، ولا يَرميه بالكُفرِ، إلَّا ارتَدَّتْ عليه، إنْ لم يكنْ صاحِبُه كذلك» (1). وفي رواية أخرى: «ومَنْ دعا رجُلًا بالكُفرِ -أو قال: عَدُوُّ اللهِ- وليس كذلك، إلَّا حار عليه» (2).
هذه الكلمات النبوية الصاعقة تمثل إنذاراً مبكراً لكل من تسول له نفسه العبث بمصير أخيه الإيماني.
• قال ابنُ هُبَيرةَ: «فيه شِدَّةُ الحَظرِ على من رمى أخاه المُسْلِمَ بالكُفْرِ، فإنَّه بهذا الحديثِ على يقينٍ من ارتدادِها إليه إن لم يكُنْ أخوه كما ادَّعاه؛ فلْيحذَرْ أن يقولَها أبدًا لِمن هو من أمْرِه في شَكٍّ، وكذلك أن يرميَه بالفِسْقِ فإنَّه على سبيلِه في ارتدادِه عليه إنْ لم يكُنْ كما ذَكَره بيَقينٍ» (3).
إنها معادلة حتمية مرعبة: إما أن يقع التكفير في محله -وهذا دونه خرط القتاد لمن تحرى الدقة- وإما أن يرتدّ السهم إلى نحر الرامي، فيُبتلى بوزر التكفير أو يخرج من الإسلام إن استحل ذلك بغير بينة.
المأزق والتَبِعة: معنى "البوء" في الميزان الشرعي
يتجلى هذا المعنى بعمق أكبر في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيُّما امرِئٍ قال لأخيه: يا كافِرُ، فقد باءَ بها أحَدُهما؛ إن كان كما قال، وإلَّا رجَعَت عليه» (4). وكلمة "باء بها" تعني رجع بحملها وإثمها كاملين.
• الإمام ابن عبد البر: يجلّي مقصود أهل السنة والجماعة، مبدياً أن النهي ورد بلفظ الخبر تأكيداً للشناعة، وأن المراد هو التحذير البالغ من تكفير المسلم بذنبٍ لم يستحلّه، أو بتأويلٍ سائغ لا يخرجه من الملة عند أهل الحق (5).
• الإمام المناوي: يضع النقاط على الحروف شارحاً: «فإن كان كما قال، أي كان في الباطِنِ كافِرًا بحسب واقع أمره، وإلا وإن لم يكُنْ كذلك، رجعت عليه أي فيكفر»، وهو ارتداد معنوي أو استحقاق لعقوبة الكفر بسبب جسامة الجرأة على حدود الله (6).
• الإمام ابن عاشور: يربط في قراءة تحليلية عميقة لمقاصد الشريعة بين التكفير وبين تفكيك بنيان الأمة، مشيراً إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم بين أن من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها: «لأنَّه إذا نَسَب أخاه في الدِّينِ إلى الكُفرِ فقد أخذ في أسبابِ التفريقِ بين المسلِمين وتوليدِ سَبَبِ التقاتُلِ، فرجَعَ هو بإثمِ الكُفرِ؛ لأنَّه المتسَبِّبُ فيما يتسَبَّبُ على الكُفرِ، ولأنَّه إذا كان يرى بعضَ أحوالِ الإيمانِ كُفرًا، فقد صار هو كافِرًا؛ لأنَّه جعل الإيمانَ كُفرًا» (7).
هذا التأسيس العبقري لابن عاشور يكشف عن "علّة خطيرة"، وهي أن المتعالم الذي يضيق ذرعاً بالاجتهاد أو يرى في طاعات الناس ومخارجهم الفقهية كفراً، قد انقلب ضد أصل الإيمان ذاته، فأنكر ما أثبته الشارع، وصار الجاني في قناع المجني عليه.
التكفير كإزهاق للروح
ولم تقتصر النصوص على بيان وعيد المآل فحسب، بل نزلت بمنزلة الجناية الكبرى على الوجود الإنساني والشرعي للمسلم. فعن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ومَنْ رمى مُؤمِنًا بكُفرٍ، فهو كقَتلِه» (8).
• الإمام ابن بطال: يعلق على هذا الحديث الجليل موضحاً: «معنى قوله: من رمى مؤمناً بكفر فهو كقتله، يعني في تحريم ذلك عليه»، فكما يحرم إزهاق الجسد وإراقة الدم المعصوم، يحرم كذلك إزهاق الروح المعنوية للمؤمن وخلع رداء الإسلام عنه ظلماً وعدواناً (9).
• الإمام ابن قيم الجوزية: يضع القاعدة الكلية والضابط الأصولي الحاسم في هذا الباب، ناطقاً بالحق الذي لا هوادة فيه: «من الكبائِرِ تكفيرُ مَنْ لم يُكَفِّرْه اللهُ ورَسولُه» (10).
فالأحكام العقدية توقيفية محضة؛ ليست مرتعاً للمزايدات، ولا حكراً على الأهواء الحزبية، ولا مكسباً للألقاب الوهمية، بل هي لله ورسوله، ومن تعدّى هذا الثغر فقد اقتحم حمى الإلهية وافتات على سلطان الشارع الحكيم.
عافية اللسان وسلامة القلوب
إن الناظر في تاريخ الأمة يرى عياناً كيف أكلت نار التكفير العشوائي من رصيد وحدتها واستقرارها، وكيف تحولت الكلمة الطائشة إلى سيف مسلول يقطع ما أمر الله به أن يوصل.
تلك هي حدود الله القويمة، وتلك هي حرمات الدين التي تقف دونها ألسنة العقلاء وقلوب الأتقياء. حذارِ من إطلاق الأحكام في مهب ريح الأهواء والخصومات؛ فإن الكلمة إن خرجت من القفص ملكت صاحبها، وإن عادت إليه –إن لم تجد محلاً يستحقها– قتلته في دينه ودنياه. فما أحرانا اليوم أن نلجم الألسنة، وأن نَعِرف للحق قدره، وأن ننزل الناس منازلهم التي وضعتهم فيها الشريعة، لا ما اشتهته النفوس الغاضبة أو العقول المستعجلة.
الهوامش والمراجع:
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب ما ينهى عن السباب واللعن، رقم (6045).
(2) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان حال إيمان من قال لأخيه المسلم يا كافر، رقم (61).
(3) ابن هبيرة، يحيى بن محمد. الإفصاح عن معاني الصحاح. دار الوطن، ج 8، ص 142.
(4) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب من كفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال، رقم (6104)، ومسلم رقم (60).
(5) ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله. التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد. وزارة الأوقاف المغربية، ج 17، ص 16.
(6) المناوي، محمد عبد الرؤوف. فيض القدير شرح الجامع الصغير. المكتبة التجارية الكبرى، ج 2، ص 144.
(7) ابن عاشور، محمد الطاهر. التحرير والتنوير. الدار التونسية للنشر، ج 3، ص 218.
(8) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب ما ينهى عن السباب واللعن، رقم (6047).
(9) ابن بطال، علي بن خلف. شرح صحيح البخاري. مكتبة الرشد، ج 9، ص 312.
(10) ابن قيم الجوزية، محمد بن أبي بكر. مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين. دار الكتاب العربي، ج 1، ص 338.