تحرير عبد الله المصرى على الأربعاء، 05 آب/أغسطس 2026
فئة: مدونات عربية

استنزاف الطاقات الفكرية: بين الغلو في الأشخاص وضياع المقاصد الشرعية

 ما أسرع أن تتحول المعارف الكبرى في التاريخ الإسلامي من أدوات للبناء والهدى إلى متاريس للفرقة والنزاعات الشخصية. وحين تتأمل مسيرة الدعوات الإصلاحية، تدرك يقيناً أن قيمتها الحقيقية تكمن في إحيائها لتوحيد الله وإخلاص العبادة له، ونفض غبار الجمود عن نصوص الوحي، لا في تحويل رموزها إلى أصنام كلامية، تُستنزف الجهود في معارك لا طائل منها دفاعاً عن أسمائهم، بمعزل عن روح العلم وجوهره؛ إذ إن الغلو في الأشخاص ورفعهم فوق منزلتهم البشرية أول منافذ الانحراف الفكري (1). والوقوف عند محطة "الأشخاص" استهلاك لطاقات الأمة، وإلهاء لها عن أولوياتها الكبرى في البناء الروحي والعلمي والعملي.

متى يفقد النقاش بوصلته؟
ينزلق الكثير من طلاب العلم والمهتمين بالشأن الفكري إلى منزلق خطير؛ وهو تحويل النقاشات الفكرية والعقدية إلى معارك شخصية تبدد الأوقات وتورث الضغائن، وتتجلى مظاهر هذا الانحراف في الآتي:
• من البحث عن الحقيقة إلى الانتصار للذات: يتحول الهم الأكبر للمحاور من بيان الحق ودليله إلى إثبات: "هل قال فلان هذا أو لم يقلْه؟"، و"كيف نبرئ ساحته من كذا؟"؛ فيطغى التعصب المذهبي والشخصي الذي حذر منه العلماء قديماً وحديثاً (2).
• غياب المنهجية الموضوعية: تصبح النصوص تُفسَّر طوعاً أو كرهاً لخدمة موقف شخصي، لا لخدمة النص الشرعي بذاته. وهذا يتنافى مع المنهج العلمي الذي يوجب تقديم الدليل والتجرد لله عز وجل (3).
• إقصاء الدين لصالح الشخص: تدريجياً، يغيب الأصل الشرعي، ويصبح النيل من الرمز أو الانتصار له هو "المقياس" الذي يُوالى عليه ويُعادَى، وهنا تقع المفارقة الكبرى: أن يُهجر الدين والدفاع عن حرماته، ويُشتغل بالدفاع عن البشر! وقد حذر السلف قديماً من جعل الرجال معياراً للحق بدلاً من الدليل (4).

عبث المباهلة في غير مواطنها
من أعجب ما يبتلى به الخطاب الديني حين ينحرف عن جادته؛ اللجوء إلى المباهلة في مسائل خلافية فقهية أو تاريخية أو اجتهادية دقيقة.
«أن يصل الأمر بالبعض إلى الدعاء بهلاك النفس والأهل، لا دفاعاً عن أصول التوحيد الكبرى، بل بسبب الخلاف حول أئمة كبار مثل أبي حنيفة، أو النووي، أو السيوطي.. هل هم مبتدعة أم كفار؟!»
هذا السلوك يعكس فهماً مقلوباً للنصوص ولمقاصد الشريعة، لعدة أسباب:
خلط المراتب: المباهلة شرعت للمباهلة في الحقائق الكبرى اليقينية عند تعذر الحجة وجمود المعاند (5) -كما في قصة وفد نجران ومباهلة النبي صلى الله عليه وسلم لهم (6)-، لا لتصفية الحسابات التاريخية حول مواقف العلماء وأقوالهم الاجتهادية.
هلاك مجاني: إن الدعاء بالهلاك في مسائل تحتمل الاجتهاد والنظر يعبر عن تعصب أعمى يُفقد الإنسان اتزانه الشرعي والنفسي، ويتعارض مع النهي النبوي الصريح عن الدعاء على النفس والأهل والمال بغير حق (7).
الجناية بحق الأئمة الكبار: إن النيل من قامات علمية خدموا الإسلام قروناً مديدة كالنووي والسيوطي وأبي حنيفة بحجة "نقاء العقيدة" هو في الحقيقة هدم لثقة الأمة بتراثها العلمي برمته، ومخالفة صريحة للأمر الشرعي بالاستغفار والثناء على الذين سبقوا بالإيمان (8).

صدمة المراجعة العاقلة
حين يمعن الإنسان النظر في تاريخ الفكر الإسلامي الممتد، ويرى حجم التنوع والثراء الفقهي والعقدي ضمن دائرة أهل السنة والجماعة، يصيبه العجب من حال فئات تغلق الأفق وتضيق الواسع.
• غرور الاصطفاء التاريخي: إن ظن المرء أن الحق انحصر فيه وفي زمرته وحدَه، وأن الأمة طوال قرونها كانت ساطعةً في الضلال إلا بضع شرذمة، هو عين الغرور العلمي والنفسي الذي حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم (9).
• الإنصاف عزيز: إن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن الخطأ البشري يطال الجميع إذ "كل بني آدم خطاء" (10)، لكنه لا يلغي الأثر العظيم والفضل السابق للأعلام، وأن الاختلاف في الفروع وبعض التفاصيل لا يبرر إخراج المخالف من دائرة الإسلام أو السنة ما دامت أصول الديانة قائمة (11).

البوصلة
إن ما تحتاجه الأمة اليوم ليس مزيداً من الخصومات العقيمة، ولا سجالات "تفريغ الشحنات" على منصات التناحر الفكري، بل وقفة جادة لإعادة تصحيح البوصلة نحو الآتي:
الاشتغال بالبناء لا الهدم: العناية بتعليم الناس التوحيد الخالص، والأخلاق الفاضلة، والعبادات الصحيحة بالحكمة والموعظة الحسنة، امتثالاً للأمر الإلهي بالدعوة بالحسنى (12).
فقه الأولويات: تقديم ما قدمه الشرع وتأخير ما أخره، وعدم استنزاف الأعمار في معارك وهمية لا تزيد الأمة إلا فرقةً وتنازعًا؛ فالقرآن الكريم حذر من الشتات والتنازع المؤدي إلى الفشل (13).
• احترام التراث والعلماء: التعامل مع أئمة الإسلام بمنهج الإنصاف؛ فهم مجتهدون لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، والثناء عليهم فيما أبدعوا فيه، والاعتذار لهم فيما أخطأوا فيه دون غلو ولا جفاء (14).

الإنقاذ في العودة إلى الأصل
إن العالم الإسلامي يئن تحت وطأة تحديات كبرى لا تُحسم بالخصومات الشخصية ولا بمباهلات العبث. إننا بحاجة ماسة إلى استعادة روح التسامح العلمي، والعودة إلى رحاب الأصول الكبرى التي تجمع ولا تفرق؛ للاعتصام جميعاً بحبل الله المتين (15)، لتبقى كلمة الله هي العليا، وليكون الدين كله لله، لا للأشخاص ولا للأسماء والمسميات.

الهوامش والمراجع:
(1) ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم. مجموع الفتاوى. دار الوفاء، ج 3، ص 395 (في بيان أن الغلو في الأشخاص والتعصب للأعلام أصل الانحراف ودواعي الشرك والبدعة).
(2) ابن قيم الجوزية، محمد بن أبي بكر. إعلام الموقعين عن رب العالمين. دار الكتب العلمية، ج 2، ص 182 (في ذم التعصب للمذاهب والأشخاص وإهدار الدليل الشرعي).
(3) الشاطبي، إبراهيم بن موسى. الاعتصام. دار ابن عفان، ج 1، ص 241 (في تحريف النصوص لخدمة الأهواء وتوجهات الأشخاص).
(4) الشاطبي، إبراهيم بن موسى. الاعتصام. ج 3، ص 316 (ينقل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «إن الحق لا يُعرف بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله»).
(5) ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي. فتح الباري شرح صحيح البخاري. دار المعرفة، ج 8، ص 95 (في أن المباهلة لا تكون إلا في الأمور العظام واليقينيات عند المعاند).
(6) سورة آل عمران: الآية 61 ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾.
(7) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد والرقائق، رقم (3009) عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم...».
(8) سورة الحشر: الآية 10 ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّـلَّذِينَ آمَنُوا﴾.
(9) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب النهي عن قول هلك الناس، رقم (2623) عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكهم».
(10) أخرجه الترمذي في سننه، رقم (2499)، وابن ماجه رقم (4251)، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
(11) ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم. مجموع الفتاوى. ج 28، ص 212 (في عذر الأئمة المجتهدين وعدم إخراجهم من السُّنّة بالخطأ في المسائل الاجتهادية الدقيقة).
(12) سورة النحل: الآية 125 ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.
(13) سورة الأنفال: الآية 46 ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.
(14) الذهبي، محمد بن أحمد. سير أعلام النبلاء. مؤسسة الرسالة، ج 14، ص 376 (في قاعدة: «ولو أن كل إمام أخطأ في اجتهاده في آحاد المسائل خطأ مغفوراً له، قمنا عليه وبدعناه وهجرناه، لما سلم معنا لا ابن نصر ولا ابن منده...»).
(15) سورة آل عمران: الآية 103 ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾.
اترك تعليقاتك