بينما تُزهق الأرواح جوعًا في غزة، لا تزال إسرائيل تمارس دورها المفضل: الإبادة خلف ستار "الدفاع عن النفس"، والكذب تحت عباءة "الشرعية الدولية". لكن ما يجري اليوم يتجاوز الحرب التقليدية، ويتحوّل إلى جريمة إبادة جماعية مكتملة الأركان كما عرّفتها اتفاقية منع جريمة الإبادة لعام 1948، من خلال "فرض ظروف معيشية بقصد إهلاك جماعة ما كليًا أو جزئيًا" (UN Genocide Convention, 1948, Article II). وهي سياسة وثّقها خبراء أمميون باعتبارها "تجويعًا متعمدًا للمدنيين" قد يرقى إلى جريمة حرب (OHCHR, 2023).
الجريمة الكبرى... حرق آلاف الأطنان من المساعدات!
منذ ساعات فقط، بثت هيئة الإذاعة الإسرائيلية KAN شهادة مصوّرة من جندي إسرائيلي سابق يفيد بأن الجيش أحرق ما يزيد على ألف شاحنة مساعدات إنسانية على بوابة كرم أبو سالم. الشاحنات كانت مخصصة لغزة، تُركت تحت الشمس لأشهر حتى فسدت، ثم أحرقت ودفنت في حفر ضخمة بعيدًا عن وسائل الإعلام في محاولة ممنهجة لـ"محو الأدلة"، وقد عرضت لقطات الفيديو والصور مباشرة على التلفزيون الرسمي، مما يشكل اعترافًا رسميًا ضمن البث (KAN News، تم بث التقرير بتاريخ 23 يوليو 2024). هذه الأحداث تتقاطع بدقة مع ما وصفه مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بأن منع الوصول إلى الإمدادات الحيوية للمحاصرين يُشكّل تجويعًا متعمدًا يرقى إلى جريمة حرب بموجب اتفاقية جنيف الرابعة (بيان OHCHR بتاريخ 6 مارس 2024).
في تقارير حديثة نشرتها مجلة The Atlantic (14 يوليو 2025)، بات مؤكداً أن إدارة ترامب أعطت الأوامر بإحراق نحو 500 طن من الغذاء الطارئ—وهي فطائر طبية عالية الطاقة كانت مخصصة للأطفال تحت خمسة أعوام في مناطق النزاعات مثل أفغانستان وباكستان. قدر هذا العدد بما يكفي لإطعام 1.5 مليون طفل لمدة أسبوع كامل، وقد كُلفت هذه الشحنة نحو 800 ألف دولار من ميزانية USAID، وتمّ تخزينها في مستودع بدبي منذ يناير دون توزيع، حتى وصلت إلى مرحلة التلف وبالتالي أمرت السلطات إنزالها لتصبح رمادًا، بتكلفة إضافية قُدّرت بنحو 130 ألف دولار من أموال دافعي الضرائب (The Atlantic؛ تأكيد من وزارة الخارجية الأمريكية، يوليو 2025).
ما زاد من الانطباع الدرامي أن الأشهر التي تلت ذلك شهدت محاولة من موظفين داخل USAID لنقل الغذاء قبل انتهاء صلاحيته، لكن لم يصدر أي رد رسمي، ورغم شهادة تبريرية من وزير الخارجية ماركو روبيو أمام لجنة في الكونغرس في مايو بأنه سيضمن توزيع المساعدات قبل فوات أجلها، فإن هذه الوعود جاءت بعد صدور أمر الإتلاف. هذا الفعل يضيء على توجهات السياسة الأمريكية خلال الأزمة، ويعزز الروايات التي تتهم واشنطن بالتواطؤ في منع وصول الغذاء تحت ذرائع سياسية وبيروقراطية.
أكاذيب إعلامية.. وإلقاء اللوم على الضحية!
لعدة أشهر، روّج الإعلام الإسرائيلي الرسمي بشكل مستمر لفكرة أن الأزمة في غزة "مبالغ فيها"، وأن إسرائيل "تدخِل مساعدات"، في محاولة لتشكيل رأي عام يُلقي بالمسؤولية على الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية. لكن تقارير مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) في مايو ويونيو 2024 كشفت أن المعابر كانت مغلقة أو شبه مغلقة معظم الوقت، وأن تدفق الشاحنات لا يتجاوز نحو ثلث (33٪) الكمية المطلوبة لتلبية الاحتياجات اليومية الأساسية، بعد انخفاض حاد بنسبة 67٪ عن أبريل (OCHA, Gaza Humanitarian Access Snapshot, May 2024) .
وفي الوقت ذاته، اضطر السكان إلى تناول أوراق الشجر وأعلاف الحيوانات علنًا في بعض المواقع، وفق شهادات أطباء بلا حدود الموثقة ميدانيًا في أبريل 2024 . وأعلنت وزارة الصحة في غزة أن عدد الوفيات المرتبطة بالجوع وصل إلى 127 شخصًا بحلول يوليو 2024، بينهم 85 طفلًا دون سن الثانية (تقارير صحفية محلية وتنظيمية، مطابقة لتقارير الأمم المتحدة) . كما وثقت الأمم المتحدة حالات مقتل أكثر من 100 فلسطيني برصاص مباشر أثناء محاولتهم الحصول على مساعدات—إثر إطلاق الجيش النار عند محاولتهم الاقتراب من الشاحنات، وهو ما تكرر مرات عدة ووصفه مراقبون بأنه استخدام غير مشروع للقوة ضد مدنيين غير مسلحين .
تقرير The Atlantic.. ومشاركة إدارة ترامب في تدمير الغذاء!
في تقرير نُشر في 14 يوليو 2025 في مجلة The Atlantic، وُثّق أن إدارة ترامب أصدر أوامر لحرق نحو 500 طن من الغذاء الطارئ — عبارة عن بسكويتات عالية الطاقة بقيمة 800,000 دولار، صُورت لتغذية الأطفال دون سن الخامسة في مناطق النزاع مثل أفغانستان وباكستان. وقد كانت هذه الشحنة كافية لإطعام 1.5 مليون طفل لمدة أسبوع. إلا أن السلطات الأمريكية علّقت توزيعها بعد إصدار أمر بتنفيذ إيقاف كامل للمساعدات الخارجية عبر مرسوم تنفيذي صدر في 20 يناير 2025 (Executive Order 14169)، وتم نقل صلاحية اتخاذ القرار إلى قادة جدد عبر هيئة The Department of Government Efficiency (DOGE)، مما حال دون التوزيع رغم تحذيرات موظفي USAID.
وبحسب Reuters، فإن موظفي المساعدات الإنسانية كرّروا طلباتهم لأسابيع لإنقاذ الأغذية قبل انتهائها، لكنهم لم يحصلوا على تصاريح بسبب العوائق البيروقراطية بعد دمج USAID في وزارة الخارجية. وأنجز من الطلب 622 طن فقط، بينما دُمر 496 طنًا بتكلفة إضافية تُقدّر بـ 100,000 دولار، في حين كان 60,000 طن آخر من الطعام معرضًا للتلف حول العالم (Reuters، 16–17 يوليو 2025).
بالرغم من تصريحات وزير الخارجية ماركو روبيو أمام الكونغرس في مايو، حيث أكّد أن "لا طعام سيتلف"، إلا أن الأمر بحرق الشحنة كان قد صدر قبل ذلك، طبقًا للتقرير نفسه. وقد وصف نواب ديمقراطيون مثل السيناتور Tim Kaine وعضوة الكونغرس Rosa DeLauro هذا التصرف بأنه دليل لافت على عودة سياسات تجويع سياسي منظم وممنهج، يعمل على إفشاء مساعدات مخصصة لمنع الوصول إلى مناطق محرومة.
مفاوضات عبثية.. وكشف نوايا الاحتلال
رغم إعلان مسؤول أمريكي سابق (بشارة بحبح)، عبر قناة العربية، أن حماس وافقت على تسليم الحكومة إلى لجنة تكنوقراط فلسطينية مستقلة كخطوة أولى نحو إنهاء السيطرة المباشرة لها، إلا أن إسرائيل قامت بحذف هذا البند من أي اتفاق، ورفضت الاعتراف به كشرط في أي تسوية رسمية. وقد نشرت تقارير اقتصادية وسياسية أن لجنة تكنوقراط مؤلفة من 10 إلى 15 شخصًا غير حزبي، توافق عليها حماس وفتح، باقتراح من مصر والإمارات والولايات المتحدة، ولكن قوبلت برفض تل أبيب بسبب رفضها لأي دور لحركة المقاومة، رغم أن اللجنة كانت مقررة لتولي شؤون إعادة الإعمار وتخفيف الصراع الإداري في غزة (AP News; Sky News؛ Washington Post) (turn0news32 ؛ turn0search6 ؛ turn0search4).
وبحسب Reuters، فإن واشنطن تخلت فعليًا عن جهود التفاوض في 25 يوليو 2025، معللة ذلك بعدم جديّة حماس في الالتزام بالاتفاقيات، بينما وصف مبعوثها الخاص ستيف ويتكوف الرفض الأخير لحماس بأنه «غير مقبول تمامًا»، مع تأكيد إسرائيل انسحابها أيضًا من لجنة التفاوض. وقد كان المقترح يتضمن وقفًا لإطلاق النار لمدة 60 يومًا، وتبادل محتجزين، ودخول مساعدات إنسانية، لكن الخلاف على مسألة انسحاب القوات الإسرائيلية من غزة وإزالة السلاح من حماس أدّى إلى انهيار الحوار (Reuters وThe Guardian) (turn0news26 ؛ turn0news28 ؛ turn0news25).
تضاف إلى ذلك بيانات من السرايا متعددة المصادر حول دور بشارة بحبح كحلقة وصل بين حماس والإدارة الأمريكية، عبر وسيط غير رسمي، وتم تسريب مسودات اتفاق اقترحت لجنة تكنوقراط فلسطينية مستقلة مقابل هدنة موسعة وإطلاق سراح أسرى، لكن الطرف الإسرائيلي أعلى مستويات الحكم رفض تلك الصيغة، مما يوحي بأن استمرار الوضع الحالي هو جزء من مخطط لإبقاء غزة في حالة فراغ مؤسسي تحت سيطرة الاحتلال (The Atlantic; Al Jazeera; News MENA; Reuters) (turn0search1 ؛ turn0search12 ؛ turn0search18 ؛ turn0search16).
إسرائيل لا تريد السلام.. بل الأرض بلا شعب
رغم المفاوضات التي شهدت في مراحلها الأخيرة مقترحات لوقف إطلاق نار لمدة 60 يومًا، وتبادل أسرى، والسماح بدخول المساعدات الإنسانية، فقد تخلّت إسرائيل—and إدارة ترامب—عن هذه الجهود قبل تحقيق أي منفعة حقيقية للشعب الفلسطيني في غزة. في 25 يوليو 2025، أعلن نتنياهو وترامب بشكل مشترك انسحابهما من مفاوضات وقف النار، مشيرين إلى أن حماس رفضت الشروط بطريقة "غير مقبولة تمامًا"، بينما قررت واشنطن سحب وفد التفاوض، متهمة الحركة بـ"الأنانية وعدم الجدية" في المضي قدمًا (Reuters، The Guardian)⚑ (turn0news37 ؛ turn0news40).
حتى حين أبلغ مسؤول أمريكي سابق (ستيف ويتكوف) أن حماس وافقت على تشكيل لجنة تكنوقراط مستقلة تتولى إدارة غزة بعد وقف القتال كخطوة أولى نحو حل سياسي، قامت إسرائيل بحذف هذا البند من أي صيغة تفاوض رسمية، رافضة الاعتراف به رسميًا، ما يُظهر نية صريحة لإبقاء غزة في فراغ إداري ومؤسساتي (Middle East Eye; Reuters) (turn0search13 ؛ turn0search19).
هذا الانسحاب من أي مبادرة سياسية أو تفاوضية يُوضّح أن إسرائيل—بدعم أمريكي فعلي—لا تسعى إلى سلام أو إعادة إعمار، بل إلى استمرار السيطرة، ومنع كل محاولة لإعادة الاستقرار أو السلطة المدنية داخل القطاع. إذ يبدو أن هدفها هو إبقاء غزة "فارغة" من السلطة، خاضعة للاحتلال الكامل، دون أي فرصة حقيقية للعيش الكريم.
التاريخ يسجل.. فاختر موقعك
اليوم، يتضح أن كل محاولات التفاوض—من هدنة محددة إلى تبادل أسرى—قد باءت بالفشل بسبب انسحاب إسرائيل والولايات المتحدة من الاتفاقات، رغم وجود مقترحات لإدارة غزة برلمان تكنوقراط مستقل تحظى بموافقة حماس والفصائل الفلسطينية ومحطات دولية كبرى، تبناها المبعوث بشارة بحبح. هذه التحركات المرفوضة تكشف عن رغبة واضحة في إبقاء غزة في فراغ مؤسسي كمقدمة لإبادة تدريجية، لا مكاسب سياسية (The Times of Israel، Reuters، Sky News) (turn0news30؛ turn0search18).
والأهم: وفّر انسحاب واشنطن من مفاوضات وقف إطلاق النار في 25 يوليو 2025 دليلاً قاطعًا على أن الهدف ليس السلام ولا إعادة إعمار القطاع، بل السيطرة الكاملة ومنع إعادة أي سلطة فلسطينية في غزة. فبدلاً من تسوية سياسية مربحة للبشر، ظل الاحتلال والعزلة هم الخيار الوحيد الذي تدعمه القيادة الإسرائيلية بإسناد أمريكي مباشر (Reuters، The Guardian) (turn0news32؛ turn0news30).
كما أثبت العالم—من خلال التحذيرات الغربية من تدهور الأوضاع الإنسانية وتقارير الأمم المتحدة—أن الصمت الدولي، رغم إدانة 25 دولة غربية بإطلاق النار القاتل على المدنيين وعرقلة وصول المساعدات، لا يزال مريبًا. فقد اعتبرت هذه الدول ما يحدث في غزة خرقًا "للكرامة الإنسانية والقانون الدولي" مثلما صرح رئيس وزراء أستراليا أن منع المساعدات يُعد "انتهاكًا للقوانين الدولية وإنسانيتنا" (UK, France & Germany statement; Australia PM) (turn0news33؛ turn0news26).
وفي سياق أوسع، لاحظ خبراء رأي أن أي تهدئة مؤقتة لن تنهي الحصار ولا تعيد الحقوق المسلوبة، بل تؤجّل اللحظة التي سيتم فيها استئناف المشروع القائم على الاستيطان وتطهير الأرض من سكانها الأصليين (Middle East Eye، Sojo، Reuters) (turn0search6؛ turn0search5).
في النهاية، يسقط السؤال: هل نكون صامتين؟ وهل نركن إلى الذين يبررون الظلم باسم "الدفاع عن النفس" أو "الأمن القومي"؟ إن التاريخ لن ينسى أبدًا من اختار أن يكون متواطئًا بالصمت، ومن وقف ليدافع عن الحقيقة.﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ [هود: 113]