تحرير خالد القاضي على الأربعاء، 02 أيلول/سبتمبر 2026
فئة: مدونات عربية

بثُّ الغربة

ليس ذلك البثُّ على أثير الراديو والتلفاز، وإنما هو همسُ النفوس حينًا، وبوحُ الألسن حينًا آخر.
إن واقعَ المُبعَدين عن بلاد الظلم سنين طويلة؛ قد طعنهم الطاعنون، وخذلهم المرجفون، واجتمعت عليهم أممُ الكفر، وسنَّت لهم سكاكينَ الغدر، لا لشيءٍ إلا لأنهم أرادوا العدلَ في أرضهم، والسعيَ في رفع الظلم عن قومهم.

وغدت مرارةُ الضيم أشدَّ بأسًا، وأعمق أثرًا في النفوس، وكأني بحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم يتراءى واقعًا ملموسًا:
«ما يزال البلاءُ بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى اللهَ تعالى وما عليه خطيئة» (1).
وإنَّ ممَّا يبعث على العجب حالُ فراعنةِ هذا الزمان؛ كيف يُصرُّون على ملاحقة المستضعفين حتى بعد خروجهم من أوطانهم عُزَّلًا مقهورين، وقد انقطعت عنهم أسبابُ القوة، وانعدمت في أيديهم وسائلُ التغيير.
ومع ذلك ظلَّت المطاردةُ والتضييقُ والاغتيالُ المعنويُّ سِمةً ملازمةً لتلك الأنظمة الخاوية من القيم، وكأنها لا تجد ما تثبت به سلطانها إلا بملاحقة من لا يملكون لأنفسهم دفعًا ولا نفعًا.
ولم يعد الأمر كما قال فرعون: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾، فقد جفَّت كثيرٌ من الأنهار المعنوية قبل المادية، وتبدَّدت أسبابُ القوة التي كانوا يتباهون بها.
ولم يبقَ من قوله تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ۝ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ إلا الذكرى والعبرة؛ إذ لم يتركوا لأهل أوطانهم جناتٍ تُثمر، ولا عيونًا تفيض خيرًا، ولا مقامًا كريمًا يأمن فيه الإنسان على دينه وكرامته.
ولم يعد فيهم من يقول: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ طلبًا للعظمة الموهومة، فالصروح التي شُيِّدت، والأبراج التي ارتفعت، لم تُقم حضارةً ولا عدلًا، وإنما أُقيم كثيرٌ منها حجابًا من الخوف، وسورًا من القلق، ورهبةً من يومٍ يعود فيه المغتربون إلى أوطانهم، أو يُنصر فيه المستضعفون بعد طول ابتلاء.


أم حسبتم؟
وما هذا الحسبان الزائف الذي يستقر في نفوسٍ مريضة، إلا مصداقًا لقول الحق سبحانه:
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
إنه الحسبان الزائف الكامن في نفوسٍ ألِفت الدَّعة، واستمرأت الراحة، وتوهَّمت أن النجاة تكون بالصمت عن الحق، أو بالتخلي عن أهله، أو بمجاملة الباطل والوقوف منه موقف المتفرج.
وعلمُ الله سابق، ولكن الابتلاء يكشف ما استقر في الصدور، ويقيم الحجة على النفوس بما تختاره من مواقف.
وليس الحياد أمام الظلم طريقًا إلى النجاة؛ فقد جاء في الحديث: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه» (2).
ولربما كان عقاب القاعدين والمتخاذلين أشد وقعًا من ابتلاء الثابتين؛ لأن أولئك اختاروا لأنفسهم سلامةً موهومة، ثم لم يسلموا، أما هؤلاء فاختاروا الحق وإن أثقلتهم كلفته.
فالغربة، والتشريد، والأسر، والتنكيل، والقتل؛ إنما هي من ضيق عيش الدنيا، وقد تكون أبوابًا إلى سعة الآخرة.
وما الدنيا، على طول بلائها، إلا مرحلة عابرة، ولا يكون الخسران الحقيقي فيما يفوت منها، وإنما فيما يضيع من الدين والموقف والكرامة.
والنفوس العليّة ترتفع عن سفاسف الدنيا، وتحلّق حيث تسمو المقامات؛ فمن كانت العلياء شيمة نفسه، هان عليه ما يلقى في سبيلها، بل غدا الألم نفسه جزءًا من الطريق، وصارت المحنة عنده شاهدًا على صدق الوجهة لا سببًا للنكوص عنها.


خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ
وربما يظنُّ أحدُنا واهمًا أن هذا الطريق قد خلا من الأنصار، وخلا من بشائر النصر، وأن طول البلاء دليلُ بُعد الفرج.
لكن القرآن يردُّ هذا الوهم، ويكشف أن ما نراه اليوم ليس بدعًا من الطريق، وإنما هو سُنَّةٌ مضت فيمن خلوا من قبلنا:
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 214].
فهذا طريق الأنبياء والصالحين؛ طريقٌ لا تُقاس سلامته بقلة الجراح، ولا صدقه بسرعة النصر.
قد تبلغ البأساء والضراء بالنفوس مبلغًا عظيمًا، وقد تأتي لحظة يهتف فيها الرسول والذين آمنوا معه: ﴿مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ﴾، لا شكًّا في وعده، ولكن من شدة ما بلغهم من البلاء.
ثم يأتي الجواب القاطع الذي يعيد للنفس ميزانها: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾.
وهؤلاء الذين خلوا من قبلنا هم القدوات؛ ساروا في الطريق حتى الممات، وفارقوا الباطل ولم يهادنوه، وبلغوا ما حُمِّلوا، وأقاموا الحجة، وأثبتوا أن النصر الحقيقي ليس دائمًا فيما تراه العين من تبدُّل الموازين، وإنما يبدأ من الثبات حين تتزلزل النفوس، ومن اليقين حين تضيق الأسباب، ومن دوام السير حين يبدو الطريق خاليًا في الظاهر، وهو في الحقيقة مملوء بمعية الله وحكمته.
فلستَ وحيدًا في طريقٍ سلكه الأنبياء، ولا غريبًا في دارٍ عمرها الأتقياء.
وما هذا البلاء المتنوع الذي زُلزلت به النفوس إلا بعضُ ما مسَّ الذين خلوا من قبلنا من البأساء والضراء، ثم كانت خاتمة الوعد: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾.


مراقي الوصول
إنَّ في الغربة طريقًا للعودة؛ ولكن أيَّ عودةٍ تلك إلى وطنٍ ضنَّ على أبنائه، وضاقت بهم طرقاته، ثم لفظهم كما يلفظ البحرُ بعضَ أحشائه؟!
إنَّ الوصول الحقيقي ليس أن تعود الأقدام إلى بلدٍ خرجت منه، وإنما أن تبلغ النفسُ وطنًا لا طاغوت فيه، ولا تستعبد أهله خفَّةُ الطاعة، ولا تنحني فيه الجباه إلا لله.
وإنه لمن الحسبان الزائف أن نظنَّ بلد الأحزان بديلًا عن وطن الأفراح، أو أن تكون نهاية الطريق مجرد الرجوع إلى ترابٍ حُرم الإنسان فيه أمنه وكرامته.
فالغاية أبعد، والمراقي أعلى، والطريق ليس طريق استرداد مكانٍ فحسب، وإنما طريق استرداد النفس من الخوف، والقلب من الوهن، والإرادة من أسر الطغيان.
قال تعالى:
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: 142].
إنه طريقٌ بين جهادٍ وصبر، ويقينٍ لا يلين؛ فلا تُنال المراتب العُلى بالأماني، ولا تُقطع مراقي الوصول بالدَّعة.
وإنما تتربى النفوس في طريقٍ تتعاقب فيه المشقة والثبات، حتى يصير ما كان بلاءً في أوله تربيةً في منتهاه.
وهنا تتجلى سنة الله في صناعة أهل الإمامة:
﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 24].
فبالصبر واليقين كانت الإمامة؛ لا بحلو العيش، ولا بخلو الطريق من المحن.
وحلاوة العيش لا يُعرف قدرها إلا بعد مرارة الصبر، وعلوُّ الشأن لا تُدرك مراتبه إلا بعد مشقة الطريق.
وتلك لعلها أعظم ثمرات الغربة: أن يتحول بثُّها من نشيج الأحزان إلى بلسمٍ يداويها، ومن وحشة الطريق إلى معرفةٍ بمعناه، ومن سوء الحسبان إلى حسن الظن بالله.
فإذا كانت الغربة قد بثَّت أحزانها في النفوس، فإنها تبثُّ فيها كذلك أسرار الوصول؛ حتى يدرك المغترب أن أعظم عودةٍ لم تكن يومًا عودةَ جسدٍ إلى وطن، وإنما عودةَ قلبٍ إلى الله، وصعودَ نفسٍ في مراقي رضوانه.


أنتم الطلقاء
أيها الغرباء، هوِّنوا من غربة الدين والوطن واللغة؛ هوِّنوا، فكم من إنسان يعيش غريبًا وهو فوق تراب وطنه، وكم من وطنٍ كاملٍ يعيش في قلب غريبٍ أبعدته الأيام عن بلاده!
مهلًا؛ فإن «طوبى للغرباء» (3) لم تكن كلمة مواساة لعابر سبيل، بل بشارةً لمن استمسك بالحق حين تبدلت الوجوه، واستقام حين فسد الناس، وأصلح حين شاع الفساد.
مهلًا؛ فقد اغترب النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أكرم الخلق على الله، واغترب أصحابه وهم صفوة هذه الأمة، وغدا الإسلام نفسه غريبًا كما بدأ (4)، ومع ذلك لم تكن الغربة يومًا علامة هزيمة، وإنما كانت في كثير من مواطن التاريخ بدايةً لفتحٍ جديد.
وحسبك أن الله قال:﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾.
وحسبك قوله سبحانه:﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾.
وحسبك أن النصر مع الصبر (5)، وأن مع العسر يسرًا.
وحسبك أن يكون آخر الطريق أن تحطَّ رحالك في الجنة؛ فماذا خسر من كانت نهاية غربته دارًا لا غربة فيها، ولا خوف، ولا فراق؟
وحسبك أن من رحم القهر يولد الأحرار، وأن فرعون غرق وهو في أرض سلطانه، بينما خرج موسى منها مطاردًا ثم عبر منها مؤيدًا بنصر الله؛ فما حمت الأوطان طاغيةً من قدر الله، ولا منعت الغربة وليًّا من وعده.
وحسبك يعقوب عليه السلام، وقد طال غياب يوسف، وابيضّت عيناه من الحزن، ومع ذلك لم يشك بثَّه إلا إلى الله:
﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
كان يعلم من الله ما لم يعلموا؛ يعلم أن وراء الفقد لقاءً، ووراء العمى بصرًا، ووراء الغياب عودةً، ووراء الجبِّ تمكينًا.
فكان يوسف الغائب عائدًا، وكان المفقود موجودًا، وكان الأسير عزيزًا، وكان الذي أُلقي في الجب يومًا يقال فيه بعد ذلك:
﴿وَكَذَٰلِك مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾.
وكذلك يمضي قدر الله في عباده؛ فقد يطول الطريق، وقد يشتد البلاء، وقد يحسب الإنسان أن أبواب الأرض كلها قد أُغلقت، فإذا أبواب السماء لا تُغلق.
فكن على يقين أن البثَّ سيصل، وأن الدعاء لا يضيع، وأن السماء ستفتح أبوابها حين يأذن الله، وأن وراء طول الغياب عودةً حميدة، ووراء القهر يومًا تُكسر فيه القيود.
ولا تجعل حسابك رهين اللحظة؛ فكم من مطرود عاد، وكم من مأسور تحرر، وكم من مستضعف أورثه الله الأرض بعد أن ظن الناس أن ذكره قد انطفأ.
فهوِّنوا أيها الغرباء؛ فإن الغربة ليست نهاية الطريق.
وربما كان آخر البث، بعد كل هذا الحزن، نداءً طال انتظاره:
أنتم الطلقاء (6).


التخريج:
(1) الترمذي (2399) وحسّنه، وأحمد (7859).

(2) أبو داود (4338)، والترمذي (2168) وصححه.

(3) مسلم (145). وتفسيرهم بـ«الذين يصلحون إذا فسد الناس» عند أحمد (16690).

(4) مسلم (145).

(5) أحمد (2803)، والحاكم (3/ 623) وصححه.

(6) البيهقي في «الكبرى» (18251) مرسلًا، واستُخدم أدبيًا.

اترك تعليقاتك