كانَ النبيُّ ﷺ حريصاً على أنْ يَفْهَمَ الشبابُ أنَّ طاعةَ شخصِهِ الكريمِ ليستْ طاعةً لهواهُ ولا لِما يتوهمُهُ، وإنما طاعتُهمْ لهُ هيَ طاعةٌ للهِ الذي أرسلَهُ مرآةَ وحيِهِ، كما أنَّ طاعةَ الناسِ لهُ ليستْ أمراً منْ شخصِ النبيِّ إلى الناسِ، وإنما هيَ فرضٌ فرضَهُ اللهُ على كلِّ مَنْ آمنَ بهِ، فقالَ سبحانَهُ: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ}؛ ليَكْشِفَ لهمْ ﷺ أنَّ اللهَ سبحانَهُ جعلَ شخصَ النبيِّ المنهجَ العمليَّ والتفسيريَّ لوحيِهِ، فيقولُ ﷺ: "صلّوا كما رأيتموني أُصلّي" رواه البخاري، ويقولُ مُبيِّناً أنَّ المنهجَ العقديَّ التعبديَّ لرسالةِ الإسلامِ مكتملٌ لا يحتملُ حذفاً ولا إضافةً: "منْ أحدثَ في أمرِنا هذا ما ليسَ منهُ فهو ردٌّ" رواه البخاري.
لقدْ أسقطَ ﷺ الطاعةَ على العصبيةِ لصالحِ الطاعةِ لأمرِ الوحيِ، فلمْ يوجِّهْهُمْ إلى أَنْ يَفْعَلُوا ما يفعلُهُ لمجردِ أنهُ محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الذي ينحدرُ نسبُهُ منْ بني هاشمٍ، نسبُ العزِّ والفخرِ، وإنما لأنهُ محمدٌ النبيُّ الذي يعلِّمُهمْ دينَ اللهِ كما علَّمَهُ اللهُ بوحيِهِ، وعلى هذا الفهمِ الرصينِ نشأَ شبابُ ورجالُ الدعوةِ منَ الجيلِ الأولِ مؤمنينَ أنَّ النبيَّ ﷺ مُبلِّغٌ ومُبيِّنٌ، فاتبعُوا شخصَهُ امتثالاً لأمرِ اللهِ الجليلِ.
يقولُ أهلُ العلمِ: طاعةُ الرسولِ طاعةٌ للهِ، ومعصيتُهُ معصيةٌ للهِ... وهذا يبينُ أنَّ الرسولَ ليسَ لهُ منَ الأمرِ شيءٌ، بلِ الأمرُ كلُّهُ للهِ، وإنما هوَ مُبّلغٌ عنِ اللهِ، فطاعتُهُ منْ لوازمِ توحيدِ اللهِ.
فيا صاحبي وأخي: لقدْ عايشتُ أُناساً منْ شتى بقاعِ الأرضِ ومختلفِ أجناسِ البشرِ، وواللهِ ما وجدتُ حريصاً بينَ المسلمينَ على العملِ بسنةِ رسولِ اللهِ إلا القليلَ مِنَ القليلِ، فيا ليتَكَ تكونُ واحداً منهمْ، افتحْ كتبَ السنةِ النبويةِ فطالعْها، وقلِّدْ حبيبَكَ في كافةِ أحوالِهِ وجميعِ سلوكياتِهِ، ثمَّ حدِّثْنِي بعدئذٍ عنِ الراحةِ النفسيةِ التي ستشعرُ بها فضلاً عنِ الثوابِ الربانيِّ الذي ستنالُهُ.